محميات رعوية للحفاظ على مراعي فلسطين في السفوح الشرقية

 تتركز مراعي فلسطين في السفوح الشرقية من الضفة المحتلة، حيث تبلغ المساحة العامة المقدرة لها مليونا و128 ألف دونم، لكن المتاح استخدامه للفلسطينيين كمراع 700 ألف دونم فقط، بسبب القيود التي يفرضها الاحتلال، سواء بإقامته المستوطنات، أو تحديد الأراضي مناطق عسكرية، أو استخدامها لمسارات جدار الضم والتوسع.

ونظرا لظروف التعرية التي تتعرض لها التربة الناتجة عن الجفاف، لا سيما مع ازدياد أعداد الماشية بالتزامن مع قلة المساحة المخصصة للرعي، فقد أصبح الضغط هائلاً على كافة الأراضي الرعوية. وكل ما سبق أدى مع مرور الزمن إلى تدهور الغطاء النباتي في المراعي بشكل خطير، إلى جانب بلع الاحتلال لمزيد من الأراضي، ما دفع للعمل نحو إنقاذ ما تبقى من الأراضي الرعوية والزراعية عبر عدد من المشاريع التي تنفذها وزارة الزراعة مع بعض الجهات الدولية والمؤسسات الزراعية الشريكة، من محافظة طوباس شمالاً وحتى الخليل جنوباً؛ كمشروع الإدارة المستدامة لحفظ المراعي، وما يتضمنه من إنشاء للمحميات والمشاتل الرعوية، والتشجير الزراعي وغيرها، إلى جانب مشروع توزيع البذار العلفية، وذلك خلال العامين 2015 و2016. 

 

تجربة بيت لحم

يقول رئيس قسم الغابات والمراعي بمديرية زراعة محافظة بيت لحم المهندس الزراعي سيف إحدوش، إن فكرة حفظ المراعي وإعادة تأهيلها تنفذ لأول مرة في فلسطين، في مناطق شبه جافة وصحراوية، مضيفاً أن المديرية نفذت ما سبق في تسع مناطق شرق بيت لحم وهي: العبيدية والشواورة والرشايدة ودار صلاح وزعترة وجبة الذيب وتقوع وجناتا وكيسان.

وانتفع من مشروع الإدارة المستدامة للمراعي ما يقارب من 55 مزارعاً، فيما تم توزيع البذار العلفية على ما يقارب 500 من مربي الثروة الحيوانية والمزارعين في ذات المناطق.

 

إنشاء المحميات الرعوية 

يقول المهندس سيف إحدوش إن إنشاء المحميات الرعوية، جاء بهدف حماية الغطاء النباتي والأصناف النباتية الرعوية الموجودة اصلاً؛ كالقطف والرتم والأكاسيا والشيح، والسماح لأصناف جديدة بالإنبات إلى جانب زيادة رقعة الأراضي الزراعية، وخلق نظام رعي مستدام عبر تحسين ظروف التربة. ويتمثل ذلك عملياً بتسييج المناطق المستهدفة لمنع الرعي الجائر فيها، واتباع طرق الحصاد المائي، لمنع انجراف التربة بفعل الأمطار وبهدف تجميع المياه والاستفادة منها لسقاية الماشية، عبر حفر الآبار بالإضافة إلى وجود خطة رعي موسمية لكل محمية.

ويضيف إحدوش أن عدد المحيات التي جرى العمل على إنشائها في شرق بيت لحم يبلغ 23 محمية ما بين فردية أي مساحتها تقارب 50 دونما وجماعية تتجاوز مساحتها في بعض المحميات الألفي دونم.

وتتركز أغلب المحميات في بلدة العبيدية حيث تم تنفيذ 12 محمية فردية وجماعية فيها وما تبقى يتوزع على الشووارة بواقع ثماني محميات فردية، وفي كل من تقوع وزعترة تم إنشاء محمية جماعية، أما الرشايدة فتم إنشاء محمية فردية فيها.

وإلى جانب إنشاء المحميات الرعوية، فتح المجال أما مربي الثروة الحيوانية في مناطق شرق بيت لحم، التي تشكل أجزاءً من السفوح الشرقية للمحافظة، وذلك بواقع 15 دونما لكل مزارع، ويتركز هدف هذا المشروع على تمكين المزارع من إطعام ماشيته من إنتاج أرضه بأقل التكاليف عبر توفير البذور العلفية له مجانا.

يقول رئيس قسم المحاصيل الحقلية بالمديرية المهندس الزراعي رزق غياظة إن المشروع عاد بالفائدة الجمة على المزارعين، فقد خفف من تكاليف الإنتاج عليهم، وعلى المستهلك المقبل على شراء اللحوم والحليب ومشتقاته، مضيفاً أن معقولية تكاليف الإنتاج تؤدي حتماً إلى اعتدال أسعار اللحوم والمنتجات الحيوانية للمستهلك في السوق، كما أن الاعتناء بنوعية البذور العلفية الموزعة يساهم في تحسين مستوى الغذاء للحيوان الرعوي، وبالتالي ضمان حصول المستهلك ايضاً على منتج حيواني جيد.

 

شعور بالفرق والتغيير

يقول المزارع محمد جرارحة صاحب إحدى المحميات الرعوية المقامة في بلدة العبيدية، إن هذا النوع من المشاريع عاد بالفائدة على الأرض التي تحولت من جرداء إلى خضراء. كما عاد بالفائدة على الماشية وعلى المزارع، حيث استطاع زيادة إنتاجه إلى الضعف من حبوب القمح والشعير إضافة إلى البيقيا أو البيكا، وهي أحد أنواع البقوليات، بواقع 20 شوالاً كل موسم بذار بدلاً من 10 شوالات.

من جهته يقول المزارع حسين غزال من قرية كيسان المستفيد من مشروع البذار العلفية، إن المشروع خلق علاقة جديدة بين المزارع وأرضه؛ فمنظر أرضه المزروعة وفر له راحة نفسية تجعله يقبل على العمل فيها، ورعي أغنامه تارة فيها وتارة في برية القرية.

وأضاف: من شأن ما سبق تعزيز صمود المزارع في ارضه، حيث إن أرضه تقع في منطقة وادي عبيان القريبة من مستوطنة "معالي عاموس"، والمصنفة ضمن الأراضي المسماة (ج). ويوضح المزارع غزال أن انتفاعه من المشروع خفض عليه كلفة شراء البذور العلفية وإنتاجها، وساهم في تحويل المال المخصص لذلك مسبقاً لحاجات معيشية أخرى. 

فيما يعبر المزارع محمود الرشايدة من قرية الرشايدة عن سعادته الشديدة بوجود محمية يملكها ويعمل بها قائلاً: "سأسعد كثيراً لو تمكنت من إنشاء محمية أخرى فمنظر الأرض القاحلة بعد المشروع صار جميلاً للغاية".

 

منافع شاملة ومتواصلة 

يقول المهندس غياظة: " إن هذه المشاريع سمحت لنا كقائمين ومشرفين على تنفيذها اكتشاف الأرض عبر العثور على أنواع نادرة من النباتات والزهور البرية كزهرة "التوليب البري"، إلى جانب الوصول لنتائج ايجابية مرافقة للمشروع، كزيادة أعداد الثروة الحيوانية وسد نقص السوق من المنتج المحلي، مضيفاً أن جميع تفاصيل المشروع مدروسة زراعياً وعلمياً، فنثر حبوب البيقيا بجانب الشعير لم يكن عبثياً؛ فالبيقيا توفر عنصر النيتروجين الذي يساعد الشعير على الإنبات والنمو.

ويضيف المهندس احدوش أن أهداف المشروع وإن كانت زراعية فإنها تحمل أهدافاً اجتماعية واقتصادية بتخفيف تكاليف الإنتاج على المزارع وتحسين وضعه المعيشي، مبيناً أنه تم تحقيق تخفيض على مدخلات الإنتاج بالنسبة للمزارع العام الماضي بقيمة 25%، متوقعاً زيادة النسبة خلال العام الحالي.

أما بخصوص متابعة المشاريع، فيفيد مدير دائرة الخدمات الإرشادية بالمديرية المهندس عودة صبارنة أن من عوامل نجاح هذه المشاريع الزراعية، إرشاد المزارعين حول التعامل الصحيح مع الأرض، وما تنبته، إضافة إلى مدهم بكل ما يحتاجونه من معدات كـ "تنكات" المياه والجرارات الزراعية، ومعدات لحفر الآبار، وحتى المساعدة في توفير الأيدي العاملة في حال حاجة المزارع لذلك، بالإضافة إلى متابعة المشروع عبر جولات تفقدية دائمة وتذليل أي عقبة تواجه المزارع منعاً لظهور اي مشكلة من شأنها إفشال المشروع أو تثبيط نجاحه.

ويوضح صبارنة أن المحميات الرعوية مشروع طويل الأمد تصل فترة متابعة وزارة الزراعة له إلى 15 عاما، مقابل تعهد المزارع بالحفاظ على المحمية، إلى جانب تعهد آخرين بالزراعة لدى انتفاعهم من مشروع البذار العلفية، مؤكداً أن تجربة محافظة بيت لحم كانت تجربة مميزة بنجاح المحميات الرعوية فيها، وزيادة نسبة الإنبات في الأراضي التي زرعت بالبذار العلفية، وذلك بسبب زيادة نسبة هطول الأمطار في المحافظة، التي وصلت العام الماضي إلى 97%، بينما بلغت العام الجاري مئة بالمئة، ما يبشر بنجاح زراعي مضاعف.

إن فكرة إنشاء المحميات الرعوية وتوزيع البذور العلفية على المزارعين ما هي إلا جزء من سلسلة مشاريع تقوم به وزارة الزراعة ومؤسسات زراعية أخرى للحفاظ على الأراضي الزراعية والرعوية؛ لكن ذلك مجرد محاولات لصنع "حلول مؤقتة" تحتاج لمن يثّبتها على أرض الواقع الذي تحكمه دهاليز السياسة وخرائط العسكر.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018