المجتمع المدني وإعادة انتاج الفشل

تناط بالمجتمع المدني أدوار لا بد من فهمها ومعرفتها جيداً حتى تتسنى لنا محاسبتها عن الاخفاق أو النجاح. في الحالة الفلسطينية، يمكن تلخيص دور المجتمع المدني بكل مكوناته في مهمتين أساسيتين في ضوء حالة الانقسام: الأولى أن يذلل بعض المعقيات الحياتية التي تواجه المجتمع في ضوء عجز الحكومة، على قاعدة ملء الفراغ وليس كبديل عنها، وقد يكون سجل نجاحات في حالتنا الراهنة سواء من خلال الأحزاب أو الشخصيات المستقلة أو قيادات المنظمات الأهلية، في إيجاد حلول مؤقتة لأزمات كالكهرباء والتحويلات الطبية، وجوازات السفر، والحريات، وغيرها.

أما مهمته الثانية، فتتلخص في قدرته على حماية السلم الأهلي، ومنع بنى المجتمع من الانهيار، والحفاظ على التماسك المجتمعي، وذلك عبر إعادة الاعتبار لمنظومة القيم الجمعية التي توحد المجتمع وتضبط سلوكه، وهذه مهمة ثقيلة سجل فيها المجتمع المدني نجاحات وإخفاقات على حد سواء.

في الحالة الفلسطينية، فشلت مكونات المجتمع المدني في تشكيل رأي عام فلسطيني إزاء القضايا والهموم التي تواجهه في شطري الوطن، مقابل الرأي الحزبي السائد الذي يعاني من حالة استقطاب حاد وكارثي في الحالة الفلسطينية.

وبتمعن المشهد الفلسطيني جيداً، سنجد أنه وقع في صراع مع الهم المحلي والمناطقي على حساب الهم الوطني الأكبر والأشمل، فأضحى المجتمع المدني بكافة تشكيلاته مقسمًا لا يحمل ذات الهم، بل غرق في وحل الهموم الجزئية حسب البقعة الجغرافية التي يعمل بها، فغزة تحاكي الحصار والانقسام، والضفة تحاكي الجدار والاستيطان، والقدس تحاكي تهويد الأقصى وسحب الهويات والابعاد، فيما الشتات غائب قسراً عن المشهد.

وباعتبار أن المؤسسات الأهلية هي الجسم المنظم والمستقل من أجسام وهياكل مكونات المجتمع المدني، إلا أنها، ومن باب المكاشفة لا الجلد، تعاني من غياب رؤية وطنية موحدة وعدم امتلاكها للقدرة على التأثير على السياسات العامة، بسبب ضبابية الرؤية حول تحديد طبيعة المرحلة فهل هي مرحلة دولة أم تحرر وطني، وهو ما يجعل الجميع في حالة تيه عند الخلط بين المرحلتين، وهذا الخلط ناجم في الغالب عن تبني خطاب الممول وبرامجه، وليس خطاب أو خطة واضحة المعالم تبنى على أساس الخصوصية والاحتياجات الفلسطينية، إضافة لحالة التناحر والصراع بين هذه المنظمات المنوط بها على الأقل توعية وثقيف المواطن بما له من حقوق وما عليه من واجبات.

مطلوب من المؤسسات الأهلية في المجتمع المدني مراجعة نقدية لمسار عملها على مدار عقدين من الزمن، لتواجه حقيقة الأزمة التي يعيشها الوطن بشقيه، وبناء استراتيجية عمل موحدة بحيث تتكامل الجهود لإعادة الاعتبار للقيم الوطنية، وإلا فإن الترهل والتكلس وفقدان الثقة سيضرب بنية هذه المؤسسات كما ضرب بنية النظام السياسي، فهل يمكن أن يتحقق ذلك أم  أنها ستعيد انتاج حالة الفشل السياسي على المستوى المدني والاجتماعي؟!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018