المبادرة الفرنسية.. محاولة لتحريك عملية السلام المتكلسة

 

تأتي معركة إخراج المبادرة الفرنسية التي طرحت للتداول في إطار محاولة البحث عن محطة جديدة من أجل إحياء عملية السلام "المتكلسة" منذ سنوات، وتشتد وسط محاولات لحرف مسارها، حيث بات الغوص في بحث المقترحات الفرنسية والتشاور حولها بدلاً من "المبادرة" يعكس حالة تخبط دبلوماسي وسياسي على المستوى الدولي، بعد الإعلان الفلسطيني الرسمي الموافقة على المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر للسلام، واشتراط الاعتراف الفرنسي الدراماتيكي بالدولة الفلسطينية في حال فشل هذا المؤتمر في تحقيق نتائجه.

القيادة الفلسطينية أعلنت في وقت سابق التزامها بما قدم من أفكار فرنسية من شأنها العمل على إطلاق عملية السلام وبدء المفاوضات لإنهاء الاحتلال، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة والمتواصلة جغرافيًّا في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس ضمن مفهوم حل الدولتين، في حين ان مواقف اسرائيلية واميركية عارضت مثل هذه الافكار او حتى عقد مؤتمر دولي للسلام، مشككة في فاعلية التمسك بحل الدولتين في الفترة الراهنة.

وتتحمل الإدارة الاميركية كامل المسؤولية عن إخفاق عملية السلام في الوصول إلى نهايتها وفق ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر مدريد وما تبعته من اتفاقيات سياسية باقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس، وتسعى حاليًّا بكل جهدها وضغوطها السياسية والمالية واستخدام النفوذ، لتحويل ما أطلق عليها اسم "المبادرة الفرنسية"، إلى مجرد حقنة وهمية كونها تدرك أن عقد مؤتمر سلام جديد يعني فضح عورتها ازاء ممارستها الانحياز الخفي والعلني لصالح الاحتلال وكيانه المتجسد في دولة اسرائيل، كما انها تدرك أن نجاح عقد مثل هذه المؤتمر يساهم في تحرير عنق عملية السلام من قبضة الاميركيين لصالح تدويل رعاية عملية سلام حقيقية وجدية تنهي الاحتلال وتحقق الاهداف الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني.

ويرى امين عام المبادرة الفلسطينية، د. مصطفى البرغوثي، أن هناك تراجعا حقيقيا من قبل الفرنسيين عن طرح المبادرة والقبول بفكرة تغير مسارها للحديث عن أفكار ومقترحات، وبالتالي التراجع الضمني عن فكرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية بعيد عقد المؤتمر الدولي الذي تقترحه فرنسا، وقال: "الهدف الفلسطيني من وراء عقد المؤتمر للدولي للسلام هو انهاء الاحتلال ونيل اعتراف فرنسا بهذه الدولة، لكن هناك تراجع واضح من قبل الفرنسيين بالحديث عن أن موضوع الدولة سيكون محط تفاوض الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي، إضافة إلى تراجعهم عن الاعتراف الدراماتيكي بالدولة الفلسطينية في حال فشل المؤتمر".

واضاف: "لا يمكن التعويل على مثل هذه المواقف المترددة لاننا لا نسعى إلى العودة مجددا إلى مربع المفاوضات التي لن تفضي الى نتائج ملموسة، باعتبار ان اسرائيل تتلاعب وتسعى لاستثمار الوقت لتعميق الاستيطان وتنفيذ مخططاتها تحت يافطة المفاوضات العبثية".

وحسب البرغوثي، فإن الرد الفلسطيني يجب ان يركز على قضيتين: أولاهما العمل بشكل ممنهج لتعظيم المقاومة الشعبية في مواجهة سياسة الاحتلال على الارض وتكثيف وتدعيم حملة المقاطعة لاسرائيل على المستوى الدولي خاصة في ظل النجاحات التي تحققها الحملة في مجلس حقوق الإنسان والقرارات التي اتخذتها ضد الشركات العاملة في المستوطنات او مع المستوطنات.

وبدأت الماكينة الدبلوماسية الفرنسية في الآونة الاخيرة جولة جديدة في المنطقة من خلال وزير الخارجية الفرنسي والمبعوث الفرنسي الخاص للمنطقة بهدف إجراء أوسع مشاورات سياسية مع القادة في المنطقة العربية واسرائيل في محاولة لبلورة رؤية تكون مقبولة على جميع الاطراف في إطار ما تعرف بالمبادرة الفرنسية، إلا أنه من الواضح أن الأفكار الفرنسية المطروحة لعقد مؤتمر دولي للسلام باتت محصورة في إعادة الجانبين الاسرائيلي والفلسطيني الى طاولة المفاوضات وربط الحلول بما فيها الاعتراف الفرنسي بالدولة الفلسطينية مع ما ستفضي إليه هذه المفاوضات وهذا ما يرفضه الجانب الفلسطيني.

وقال وزير الخارجية الفلسطيني، رياض المالكي، في اكثر من مناسبة إن المطالب الفلسطينية واضحة، وإن ما يسعى إليه الجانب الفلسطيني هو تطبيق قرارات الشرعية الدولية بما في ذلك إنهاء الاحتلال الاسرائيل، وهذا يتفق تماما مع رؤية القيادة الفلسطينية التي ترى أن المفاوضات استنفدت وان الحاجة الان إلى تطبيق القرارات والاتفاقيات التي تفضي إلى إنهاء الاحتلال عن كامل الاراضي المحتلة عام 1967 واقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس المحتلة.

وفي المقابل، فإن الجانب الفلسطيني لم يفقد عناصر القوة والمبادرة خاصة على مستوى الساحة الدبلوماسية الدولية، بما في ذلك التوجه الى مجلس الامن الدولي والامم المتحدة والسعي لانتزاع قرارات جديدة تدين الاحتلال وممارساته بحق الشعب الفلسطيني، ما يضع اسرائيل تحت المطرقة الدبلوماسية الفلسطينية، ويدفعها للتخلص من مثل هذه الضغوط عبر جملة من التهديدات الميدانية ضد القيادة الفلسطينية من جانب، والتحركات الدبلوماسية الدولية في محاولة للالتفاف على الجهود الفلسطينية وحرفها لمسارات جديدة شكلية وخالية من المضمون والمعنى، حيث اعلن مسؤولون رسميون فرنسيون بشكل واضح أن هدف المبادرة الفرنسية هو إعادة الجانبين لطاولة المفاوضات.

وحسب ما اكده عضو اللجنة التنفيذية لـ(م.ت.ف)، صالح رأفت، فإن المبادرة الفرنسية تهدف الى عقد مؤتمر دولي لتنبثق عن هذا المؤتمر الدولي هيئة دولية جماعية ترعى اية مفاوضات لاحقة، مشددا على ان الجانب الفلسطيني لديه موقف قاطع بخصوص هدف المؤتمر الدولي الذي يجب عقده من اجل تنفيذ قرارات الشرية الدولية، وإن الهيئة الدولية الجماعية تشرف على المفاوضات بشكل جماعي، على ان تكون هذه المفاوضات وفق مدة زمنية محددة لا تتجاوز 3 اعوام وتكون مهمتها تنفيذ القرارات وليس الدخول في مفاوضات من اجل المفاوضات.

الى ذلك دعا رأفت القيادة الفلسطينية الى مغادرة مرحلة المراوحة والبدء بتنفيذ قرارات المجلس المركزي للمنظمة، لان كل الاجوبة الاسرائيلية على المطالب الفلسطينية سلبية وان كل الممارسات الاسرائيلية تؤكد ان حكومة الاحتلال ليس لديها اي استعداد لتنفيذ الاتفاقيات ما يوجب البدء بتنفيذ قرارات المجلس المركزي، مشيرا الى ان اجتماع اللجنة التنفيذية لـ(م.ت.ف)، المقبل من المفترض ان يناقش هذه الممارسات الاسرائيلية التي تدمر حل الدولتين وتعمل على توسيع المستعمرات في الضفة الغربية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018