الزميلة نهال المالوخ.. في ذاكرة الخلود والأبد

 

لم تكن نهال ابنة الحادية والعشرين تتوقع نهاية استثنائية لأحلامها بين أجهزة العناية المركزة في مستشفى جامعة النجاح وعبوات من الدم تدخل جسمها كل يوم وتخرج بعد أن تنهك ذاك الجسد، لتباغت مكر المرض وقوته مرات ومرات تمسكاً بالحياة، قبل أن يخطفها الموت.

نهال المالوخ طالبة الإعلام في جامعة بيرزيت أو "إعلامية قيد الانتظار"، كما كتبت في خانة التعريف عبر صفحتها على الفيسبوك، ابنة قرية قراوة بني زيد شمال غربي مدينة رام الله، تميزت بحبها للصحافة، واهتمامها الكبير بكل ما يتعلق بالمجال الصحافي، فهي الزميلة الطموحة والكاتبة النشيطة والمتوقع لمعانها بعد التخرج كما قال عدد من متابعيها واساتذتها. 

نهال عبر سنواتها الجامعية استطاعت أن تحقق جزءا كبيرا من ذلك الحلم، فكانت تكتب عبر صفحات "الحال" تقاريرها المميزة، وتصور ما استطاعت عبر كاميرا مساق التصوير، وكانت دوماً تسألني عن فرص تدريبية في مجال الصحافة، وتشارك في كل النشاطات الطلابية، تجدها الأولى دوماً في كل مناسبة.

كانت تحب الحياة كثيرا، وكأن الحياة تبادلها ذات الشعور، كتبت عبر صفحتها على الفيسبوك في آخر أيامها قصتها المختزلة مع ذلك المرض الخبيث، كانت حقاً لا تعترف به، وتكرهه كل الكره، حين وصفت شعورها عندما دخلت غرفة العلاج الكيماوي غير مقتنعة بأن ذلك المرض قد أصابها، متمسكة برأيها أن حالتها الصحية سوف تتحسن وسوف تعود لمقاعد الدراسة لإكمال الحلم المنتظر.

تركت نهال الكثير من الأحلام والذكريات في عيون صديقاتها اللواتي رافقنها في مشوارها.

 

شذى الدجاني: حلمنا معا بملابس التخرج 

لم تختلف يوما طموحاتنا، كنا جميعنا نجلس على درج الكلية، أو تحت شجرتنا، وتبدأ الحكاية، متى حفل التخريج؟ ماذا سنرتدي؟ من سيحضر؟ كيف سيكون؟ وماذا بالنسبة لمشروع التخرج؟ ما موضوعه.

نسرح جميعا متسائلين، بينما وحدها تملك الاجابة على كل سؤال. كانت الاكثر شغفا فينا، وتوقا لحفل التخرج، طموحها ان تلبس روبا مطرزا بشعار الجامعة، وقبعة حلمت دوما برفعها للاعالي ورميها في الهواء، لأقوم انا بتوثيق تلك اللحظة.

نهال، القلب الدافئ العطوف، لم تسع يوما للحصول على فرصة تدريب في اذاعة او وكالة، الا وترغمنا على الذهاب معها، لعيش التجربة سويا.

طموحها لا يختلف عن طموح طالبة اعلام تسعى لأن تكون اعلامية وكاتبة مشهورة، الا ان أحلامها فاقتنا جميعا، فكانت تسعى لترى الجميع سعداء، وتهب نجدة لنا جميعا في المآزق، رغم انها كانت تضعنا دوما في مقالب.

لا استطيع نسيان كتف وضعت ثقلي عليه حين كسرت قدمي، أو انسى دلالها حين أجدها تحضر لي الطعام اوقات الامتحانات، يقشعر بدني حين أتذكر صورة نشرتها من مدة قصيرة على الفيسبوك نصها "خريجة إلا فصل"، فصل كان له الكلمة الاخيرة، عندما رحلت فيه نهال الى الابدية.

 

حنين أبو زر: طالما حلمت بمشروع التخرج

كانت تقول لي دائما "حنين.. خلينا نبلش نتدرب من هسا عشان نلاقي وظيفة اول ما نتخرج"، كانت تخطط لمستقبل وحلم لطالما ارادت تحقيقه، مرت الايام واصبحنا على عتبات التخرج، ازداد تمسكنا ببعضنا أكثر، لتتعدى العلاقة حدود الاخوة وكأننا روح بجسدين، طالما صادفتنا مواقف طريفة انطبعت في ذاكرتنا ولم ننسها، تعلمت من نهال حب الحياة والعمل والجد فهي كانت فتاة طموحة لها قلب طيب تحب الناس ولا تترفع عن تقديم المساعدة لاي كان.

اوشك الفصل علی نهايته وهنا بدأت نهال بتحضير موضوع لتقدمه كمشروع لتخرجها وكانت لا تتردد بسؤالي ايهما افضل، كانت تحلم ان تقدم مشروعها امام الطلبة وتناقشه بحضور استاذ تعلمنا منه الجد والعمل "صالح مشارقة".

لكنها في الآونة الاخيرة شكت لي كثيرا معاناتها من آلام في معدتها ووجع في ضرسها، ثم جاء اليوم المشؤوم ونقلت فيه الى المستشفى، وكان خبر مرضها واصابتها بالسرطان من اكبر الصدمات التي واجهتها.

حاولت اقناع نفسي بانه كذب وانها ستعود الي، لكنها لم تعد. كانت تقول لي دوما: "حنون كيف بدي اتخرج وابطل اشوفك". واليوم لا اقوى على الاستمرار بالدوام أو الحياة دونها.

 

ماري عابودي: العفوية المرحة

نهال، تلك الصديقة العفوية المرحة، تلك التي ارتسمت صورتها لدينا على انها فتاة لا تعرف شيء سوى الضحك والمزاح، لا تعرف هماً ولا حزناً، تعرف مرحاً وحلما يملأ دائرتنا الصغيرة، او علّني أقول عائلتنا الصغيرة كمصطلح يعبر أكثر عن تعاضد وحب، عن وقفة كتف الى كتف بالهم والضيق، ونهال كانت جزءا من هذه العائلة، كل من يدخل من باب الاعلام الرئيسي يراها تجلس مع رفيقاتها تضحك وتبتسم. معرفتي انا شخصيا بنهال بدأت من السنة الثالثة، ولكنها توطدت كثيرا في سنتنا الرابعة، فهي من دفعتي بالجامعة، وازدادت تحديدا في محاضرات التصوير المتقدم، فلم تكن نهال تترك صورة الا وتضع تعليقا من تعليقاتها الجميلة عليها، لم تكن ترى صورة الا وتقول "ايييه فنانة" أو "يا كبيرة"، كانت دائما تعطينا دفعات من الامل والمرح. 

 

قسم عرار: نراك في الجنة 

لم يكن يدور في رأسي يوما من الايام اني سوف اجلس وحيدة انظر الى صورنا ورسائلنا واستحضر ذكرياتنا والمواقف التي جمعتنا لأني اشتقت اليك، ولست قادرة ان ابعث لك رسالة بأن نلتقي. أتذكر يا غاليتي تفاصيلنا الصغيرة. أتذكر مخططاتنا. أتذكر الاثني عشر عاما التي قضيناها معا وتذمرنا من الكتب الدراسية والمقالب التي كنا نضحك عليها لأيام. أتذكر توبيخنا من المعلمات على ما كنا نفعله. أتذكر ايام الثانوية وارادتك بأن تنجحي بمعدل عال وطموحك القوي بأن تصبحي شيئا. أتذكر لجوءك الي ولفاطمة ورماح وسؤالك ماذا افعل؟ ساعدوني! أتذكر مساق القضية الفلسطينية الذي كنا نجلس على ذات المقاعد فيه وفي نصف المحاضرة يبعدنا الاستاذ عن بعضنا بسبب كثرة حديثنا وضحكنا. أتذكر كلمتك التي كنت ترددينها لي دائما: فلنخرج لنتصور أو صوريني. اشتقت اليك صديقتي. اشتقت لأن تبعثي لي الرسائل على فيسبوك لتسأليني أيهما اجمل هذه الصورة أم هذه؟ اشتقت لضحكتك التي كانت حاضرة بكل مكان كنت تجلسين فيه؟ كنت مصرة بأن اراك في يوم رحيلك لانني لا اصدق يا غاليتي أنك رحلت عنا ولا استوعب غيابك عنا، وكم هو مؤلم هذا الغياب. كنت قد وعدتني يا صديقتي بأنك عندما تخرجين من المستشفى بأننا سوف نلتقي جميعا، لكنك فضلت لقاءنا بالجنة.

 

*طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018