من الأول!

 

في بيئة تعج بالمنع والحظر والمصادرة والحجب، يستمر سلوك الاحتلال الإسرائيلي في علاقته بكل ما يمس وعينا الوطني وحضور ذلك في وسائل الإعلام الفلسطينية تهديدا ومنعا وإغلاقا، وبدل أن نغوص عميقا في بحث أسئلة أعمق حول طبيعة معالجة هذه الوسائل للحالة الفلسطينية، بشقيها الداخلي أو بعلاقتها مع الاحتلال، يعيدنا سلوك الاحتلال الدائم إلى المربع الأول.

"من الاول" جملة البطل في رواية إلياس خوري "باب الشمس" التي كان يرددها داقًّا الأرض بقدمه بعد كل هزيمة أو انكسار، في دلالة على العودة إلى النضال من جديد، بما يشبه عودة طاقم قناة "فلسطين اليوم" للعمل بطريقة بدائية يسودها الخوف والتهديد والإيذاء.

إن اقتحام مكاتب القناة وتدمير معداتها وتهديد مراسليها بالاعتقال إن عملوا مع القناة، رسالة لنا جميعا مفادها أن خيارتنا مرة، وأن التغطية الصحافية للميدان والانحياز له أمر ليس سهلا ولن يكون من دون ضريبة قاسية.

عمليا، الاحتلال يرى حياة الفلسطيني كلها، بما فيها الإعلام، حالة أمنية، وهو لا يتعامل بردات فعل وفق هذا الاعتبار، بل يخرج من الدُرج ما هو جاهز ومعد وفق العقلية الاستعمارية، التي مهما حاولت أن تظهر ذكية ومحترفة في تعاملها الأمني، لكنها تبدو هشة أمام بؤس الجنود الذين توقعوا توقف بث القناة عندما اقتحموا المكاتب في رام الله وقطعوا الأسلاك التي أمامهم.

من الأول، على طاقم "فلسطين اليوم" طرح أسئلة العمل البدائية، في بيئة يجعلها الاحتلال مشبعة بالتهديد والتخويف البائن المعلن والملوح به على الملأ. إنه بهذا السلوك تماما كما في البيان الصحافي لـ"الشاباك" الذي برر فيه "غزوته" على مكاتب القناة، وفي القرن الواحد والعشرين؛ لا يخفي أفعاله بل يعممها ويحدد التهمة الفضفاضة بهدف كبح وشل أي رغبة على الرد.

بالمحصلة، إن الاستفراد بالوسائل الإعلامية يتواصل وسيمتد، وإن كان الرد بالخوف والتراجع عن اداء دور وطني تًرفع عنه البعض وانشغلوا بالعمل اليومي بمجريات الحياة و"أوهام الدولة"، فإنه سيتعمق وسيزداد، وان كان بالتغطية المهنية، والانحياز للميدان الذي هو الواقع ومعطياته، فعندها يكسب الإعلام جدارة، دومًا ما منح بسببها أرفع الاوسمة رغم كم أخطائه وهفواته.

الاحتلال أيضا يحاول أن يعمق الشرخ بين وسائل الإعلام الفلسطينية، (وجود وسائل محرضة يفترض مسبقا أن هناك أخرى غير محرضة)، ويزرع الخوف لدى البعض، لكن الإعلام يمتلك الفرصة ليظهر أكثر تماسكا وأكثر تأييدا ويحدد مواقفه مما يجري اليوم، بذلك ستتحول خطوة الاحتلال الهمجية إلى فعل ارتدادي عليه، وهذا ممكن.

كنا نخطط للكتابة عن تقييم لبعض وسائل الإعلام الفلسطينية في الهبة الجماهيرية لكن الاحتلال اعادنا للمربع الاول، دعم الإعلام الفلسطيني على العلات التي فيه وإدانة الاحتلال.. دوما نخسر فرصة ما. إنه الاحتلال الذي لن يكتمل شيء نحبه أو نصل للتطور المأمول في أي مجال إلا بزواله، وهو ذاته يؤكد ان الإعلام أداة من أدوات تحقيق ذلك.

من الأول، علينا تذكر ذلك، وضمان عدم نسيانه.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018