"مدرسة جنين الكورية".. عقل وقلب كبيران لدعم التعليم الصناعي

 

 يتعامل التعليم المدرسي التقليدي مع الطلبة على أنهم سواسية، لا يتنوعون في مجالات ذكائهم أو مصادر قوتهم وتفوقهم، وبالتالي يخضعون لاختيارات ونظام دراسي صارم وموحد يظهر بعض الطلبة "فشلة"، كما ينظر إليهم المجتمع على انهم عبء على المدارس، فيتركونها ملتحقين بقطاع العمالة المتضخم والمفتقد للمهارة والخبرة.

غير أنه في مدينة جنين مثلا واحدة من المدارس التي يلجأ إليها الطلبة الذين "يغربلهم" النظام التعليمي الصارم ليكون خيارهم المناسب "مدرسة جنين الثانوية الصناعية الكورية" وفيها يحصل الطالب على شهادة ثانوية عامة في مجال صناعي يختاره وفق ميوله.

لكن السؤال: كيف تدير هذه المدرسة حالات الكثير من الطلبة المبدعين في مجالات صناعية وميدانية مثل تصليح السيارات أو تكنولوجيا المعلومات ولديهم صعوبات ومشاكل كبيرة مثلا في الحفظ التقليدي أو في التعامل مع الرياضيات والفيزياء واللغة الانجليزية؟

 

210 طلاب

المدرسة التي تعرف بـ"الكورية" اختصارًا وتقع على الشارع الرئيسي المتوجه من المدينة إلى قرية بيت قاد تعمل في كل صباح مع الملتحقين بها الـ 210 طلاب، (تتمتع بطاقة استيعابية تقارب الـ300 طالب) على كسر كل ما له علاقة بنظام التعليم الروتيني في المدارس العادية في سبيل الوصول بطلبتها الذين يسمهم المجتمع بصفات سلبية كثيرة وهو ما تحاربه المدرسة عبر مديرها الأستاذ واثق حثناوي وطاقم العاملين فيها.

وبرأي مدير المدرسة الأستاذ حثناوي، فإن مدرسته تلقى اهتماماً كبيراً من وزارة التربية والتعليم، كونها تكسر نظام الروتين التعليمي الموجود بالمدارس الأخرى، فالمدرسة تقدمُ أجهزة الحاسوب وأدوات الرسم الهندسي، بالإضافة إلى العديد من الأجهزة، مثل أجهزة فحص السيارات.

المدرسة التي تأسست عام 2004، بأربعة تخصصات، إلى أن وصلت عام 2009 إلى تسعة تخصصات وهي: صيانة أجهزة الحاسوب، والاتصالات، والإلكترونيات الصناعية، وصيانة الآلات المكتبية، وكهرباء استعمال، وكهرباء سيارات، والأدوات الصحية والتدفئة المركزية، والتكييف والتبريد، وميكانيك سيارات؛ تحاول جاهدة احتضان طلبتها ومساعدتهم على الاستمرار في تحصيل العلم الصناعي من خلال الحصول على شهادة الثانوية العامة التي تؤهلهم للالتحاق بالجامعة. 

يقول الأستاذ حثناوي: "في البداية لم يكن للأهالي أدنى فكرة عن المدرسة، وعن كيفية التعليم فيها، ولكن مع مرور الوقت أصبح هناك وعي بأهمية هذه المدرسة، وذلك بعدما تخرج بعض الطلبة منها وانتقلوا إلى سوق العمل، حيث تكللَّت جهودهم بالنجاح في حياتهم العملية".

يضيف: "كان ذلك انتصارا لفكرة المدرسة وتأكيدا للاهالي وللطلبة على انهم ليسوا أقل ممن يستمرون في المدارس العادية (علمي وأدبي)".

ويشمل التعليم المهني في فلسطين على (4) فروع هي: الصناعي، والزراعي، التجاري، الفندقي، موزعة على: (15) مدرسة صناعية (حكومية وخاصة)، مدرستين زراعيتين، مدرسة فندقية، و(59) مدرسة تجارية تشتمل على (124) شعبة للتعليم التجاري.

 

اهتمام خاص

ويتابع المدير: كانت الفكرة السائدة لدى الأهالي، أن هذه المدرسة مسارٌ للطلبة غير القادرين على السير في الفرعين العملي والادبي، وأثبتنا العكس من ناحية وخصصنا اهتماما خاصا بشرائح مختلفة من الطلبة وتحديدا ممن يتمتعون بقدرات وانواع ذكاء غير تقليدية.

والتحدي الاول بحسب المدير وطاقم العمل تمثل في "تعزيز قيم العمل والمهنة، في داخل الطلبة"، حيث يتم تأهيلهم لمرحلة ما بعد الثانوية سواء لسوق العمل أو للجامعة.  

ويؤكد المدير حثناوي أنه في عام 2007 تم تغيير بعض المناهج وأضيفت مناهج جديدة، فمثلاً كانت هناك مادة الثقافة العلمية التي استعيض عنها بمبحث "الآي تي"، وهناك مادة تسمى "كاب"، يتم من خلالها التعرف على الأعمال التي يقوم بها طالب المدرسة، ويتم التعديل عليها بين الفينة والأخرى.

 

نظام خاص

علي زايد، مدرس مادة الرياضيات في المدرسة الكورية يرى أن المدرسة مكانا تعليميا مميزا، حيث تم تقسيم المناهج إلى شقين نظري وعملي، فالمدرسة تخضع لقوانين وزارة التربية والتعليم، ومدة الدراسة سنتان تشمل (الأول الثانوي والثاني الثانوي)، حيث يمضي الطالب ثلاثة إلى أربعة أيام من كل أسبوع بالمشغل الخاص به، ويتلقى التطبيق والتدريب العملي، أما باقي الأسبوع فيتلقى الطلبة دروسا نظرية في مباحث مختلفة مثل الرياضيات، والفيزياء، واللغة العربية، والثقافة الدينية المهنية، وتكنولوجيا المعلومات، واللغة الانجليزية.

ويؤكد زايد أن الطالب يستطيع أن يدرس في الأول الثانوي مثلا تخصصاً ما، ثم يحول في التوجيهي إلى تخصص آخر، وفي بعض الحالت التي تستقبلها المدرسة تقوم بعمل في غاية الأهمية فيما يخص الطلبة الذين يعانون من ضعف في المواد النظرية، حيث يتم إعطاؤهم المساقات التطبيقية عبر التركيز عليها كي يكونوا قادرين على ممارسة المهنة.

ويضيف: "في مثل هذه الحالة لن يتمكنوا من الحصول على شهادة التوجيهي".

 

تدريب ومتابعة

الطالب يوسف زايد، تخصص كهربائي سيارات يرى أن وجوده في المدرسة جنّبه الضياع في الشارع أو العمل في مهن شاقة لا تكسبه مهنة حقيقية، وهو امر ينعكس على الكثير من زملائه.

فيما يرى الطالب أيمن أبو الرب أنه يحاول جاهدا التوفيق بين النظري والعملي، مع ضعف واضح في الجانب النظري لكنه يستمر في الشق العملي الذي يتقنه.

ويضيف أبو الرب: "أي جهاز مهما كان معقدا أستطيع تفكيكه وكشف خلله بسرعة كبيرة، كما ان المدرسة وعبر مديرها وفرت لي تدريبا خاصا في شركة كبيرة بجنين".

وبرأي مجموعة كبيرة من الأهالي والطلبة، فإن نظام المدرسة يوفر فرصة فريدة لأبنائهم، كما ان سلوك مديرها وطاقم العمل فيها يجعل منها قلبا وعقلا كبيرين، حيث يتابعون حالات الطلبة بشكل فردي ويبحثون طرق معالجة المشاكل الطارئة في نظام دراسة الطلبة، وتحديدا المتعثرين منهم.

  

*طالب في دائرة اللغة العربية والإعلام بالجامعة العربية الأمريكية

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018