عندما تصير قصص المعاقين أفلامًا

 

عندما تصير قصص ذوي الإعاقة أفلامًا

شيرين العكة

 

في محاولة لإحداث تأثير تجاه قضيتهم، اتّجهت مؤسسات رعاية ذوي الإعاقة بغزة إلى تعليم هذه الفئة على صناعة أفلام الرسوم المتحركة (أنيميشن)، للتعبير عن دواخلهم من خلال فيلم قصير من 10 ثوانٍ وقد يمتد إلى 3 دقائق، يمثل قصة من وجدان الأطفال المشاركين في صناعته، قد تكون عن تجربة مرّوا بها، أو مخاوف تراودهم، أو حق يطالبون به.

في إحدى مدارس رعاية الصم بغزة، تساعد مدرسة الفنون سعاد عوض مدربة الرسوم المتحركة هبة حافظ وتترجم ما تقوله بلغة الإشارة وتوزع الأدوار بين طلابها، حيث تُخيّرهم بناءً على ما تحتاجه اللوحة من مكونات، بين رسم الشجرة أو البيت أو الشارع مثلاً، ليختار الطلاب ما يناسبهم، ويبدأوا برسمه وقصه وتلوينه، ومن ثم لصقه على اللوحة.

تدريب الأطفال الصم على صناعة "الأنميشن" لم يكن مصادفة، فحسب سعاد، إن معظم طلابها يجيدون الرسم والتلوين، لأنه الوسيلة الأقرب إليهم في التعبير عن عواطفهم، وهي تراجع رسوماتهم يوميًا وتلاحظ المستجدات عليها من مشاكل ومشاعر سلبية، لتساعدهم في حلّها بالاستعانة بالمرشد الاجتماعي في المدرسة.

وتبدو السعادة والابتسامة حاضرة على طاولة الرسم بين الورق والألوان، فهم يحبون هذا العمل تحديدًا ويستطيع أي شخص ملاحظة ذلك، ويمكن ملاحظة روح التعاون العالية بينهم، وتفاهمهم بإيماءات الوجه الضاحك.

أحد الوجوه المشرقة بالابتسامة كان وجه بدر عليان الطالب في الصف السادس، الذي انهمك في قص سيارة متوسطة الحجم رسمها على ورقة زرقاء اللون. وربما كان سر ابتسامته أن القصة التي اقترحها تمت الموافقة عليها وقد بدأ وزملاءه بتنفيذها. وتحكي قصته من خلال تمثيلها عبر الرسوم المتحركة، تجربة طفل ذي إعاقة سمعية تمنّى كثيرًا اللعب بدراجته خارج المنزل، لكن والدته تمنعه من الخروج خوفًا عليه، فيقرر النزول إلى الشارع خفية. يصطدم الطفل بحجر كبير أثناء قيادته للدراجة فيسقط أرضًا وتنكسر المرآة التي يعتمد عليها في مراقبة حركة المرور والسيارات من خلفه. لا يُبالي الطفل ويعاود ركوب دراجته، وخلال سيره، يحاول سائق سيارة تنبيه الطفل بإطلاق بوق سيارته عاليًا، لكن الطفل لم يسمعه، فاصطدمت السيارة بالدراجة ووقع حادث أصاب الطفل بكسور في يده وقدمه.

وهذه القصة هي تجربة حقيقة مرّ بها الطفل بدر، قال ذلك بلغة الاشارة لمدرسته سعاد التي تفاجأت، فهي لم تكن تعلم عنها، وأخبرها أيضًا أنه أراد من خلال القصة إيصال رسالتين: الأولى تنبيه زملائه حتى لا يتعرضوا للمكروه، والثانية إثبات حقهم في اللعب والحصول على مكان آمن يلائم خصوصية ذوي الإعاقة ويوفر لهم ما يفتقدونه في منازلهم وشوارع مدينتهم.

ابتسام نطط والدة الطالبة شيماء (17عامًا)، أخبرت "الحال" عن سعادتها لانخراط ابنتها في هذا المجال، ففي اليوم الذي تشارك فيه في ورشة صناعة (الأنيميشن) في المدرسة، تعود إلى المنزل بحظ وافر من الطاقة والسعادة، كما أن مدرّسة الفنون سعاد أخبرتها عن مهارة شيماء في الرسم وضرورة العمل على تشجيعها للاستمرار في التدريب.

وعن دورها في دعم موهبة ابنتها شيماء، قالت "تابعتُ المبادرات الشبابية التي تطرحها المؤسسات المختلفة في غزة، وتمكنّا من الفوز بمبادرة مع مؤسسة تامر للتعليم المجتمعي، تُمكن ابنتي من افتتاح معرضها الخاص".

وتُلاحظ الأم أن أغلب رسومات ابنتها تدور حول أحداث الحرب والطائرات والبيوت المهدمة، فقد كانت شاهدت على التلفاز فيديو لقوات الاحتلال الإسرائيلي يؤذون فيه الأطفال الصغار، فرسمت نفس المشهد.

ومن المتوقع أن يُقام معرض الفتاة الصمّاء شيماء نطط في غزة خلال شهر إبريل المقبل، لتعرض فيه شهادتها على المجازر الإسرائيلية التي ارتُكبت بحق أبناء شعبها خاصة الأطفال.

وتستمتع المدربة هبة بالعمل مع الصم، حيث ينخرطون بإنجاز المهام التي كُلّفوا بها، وغالبًا لا يلتفتون لما يحدث حولهم، كما أنهم متعاونون وأكثر إنتاجًا مقارنةً بالفئات التي سبق أن دربتها. وتلفت إلى أنها تلمس أحلامهم وطموحهم من خلال رسوماتهم، حيث تجدهم يرسمون حقوقهم المفقودة للمطالبة بها، وهذا بحسبها لا تجده في لوحات الأصحاء.

يحيى إدريس مدير المشاريع في جمعية بسمة للثقافة والفنون وهي الجمعية التي تقوم على توفير مدربي (الأنيميشن)، وكثيرًا ما عملت في مجال ذوي الإعاقة من خلال برامجها، قال: "الهدف من تدريب ذوي الإعاقة تقديم الدعم النفسي لهم واشراكهم في ممارسة أعمال يحبونها، كما أنها طريقة جديدة وغير تقليدية لإيصال المعلومات".

وأشار إلى أنهم في جمعية بسمة يسعون إلى تقديم مزيد من الأنشطة المتعلقة بهذه الفئة كالمسرح؛ ليتناول ذوو الإعاقة قصصهم المختلفة من خلال إخراج المسرحيات وتمثيلها بكثير من الايمان بالحياة وحق المطالبة فيها.

عدد ذوي الإعاقة في قطاع غزة بلغ 40.000 شخص، ولا توجد إحصاءات خاصة بعدد الصم، فيما تفيد المراكز الخاصة بهم أن واحدًا من كل ألف، مصاب بالصمم في غزة.

سابقًا، أطلق على هذه الفئة "ذوي الاحتياجات الخاصة"، لكن مؤخرًا، أكدت الاتفاقيات الدولية على استخدام مصطلح "ذوي الإعاقة"، وهو الأنسب لتوصيف حالتهم، لأن هذا لا يلغي أن للمعاق كامل الحقوق وعليه كامل الواجبات، شأنه شأن غيره من الأصحاء.

وبعيدًا عن المعلومات والاتفاقيات الرسمية، يُلاحظ العاملون في مجال ذوي الإعاقة تحسنًا في أوضاع هذه الفئة، خاصة المتعلقة بحقهم في التعليم، لكن المؤسسات المعنيّة بهم ما زالت تطالب بواقع أفضل يختص بمواءمتهم مع غيرهم من الأصحاء للعمل في مؤسسات غير ذوي الإعاقة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018