رثاء

كادت "السفير" تطوي سيرتها الورقية، بعد 42 عامًا من ميلادها، لتلتحق الصحيفة اللبنانية ذائعة الصيت بـ  The Independentاللندنية، ونيوزوييك الأمريكية، فيما تسير في الركب ذاته جريدة El Pais  الإسبانية، والحبل على الجرار؛ لكنها في اللحظة الأخيرة أعلنت استمرار الطباعة.

تسترد إزاء اختفاء الورق وأزماته حكايتك مع الصحف، وتقدم ما يشبه الرثاء لعهدها الذهبي، فقبل العاشرة من حسابات طفولتك، تعثر على  نسخة من جريدة الدفاع، كانت مؤرخة في الثالث من تشرين الأول 1936. تحتفظ بها طويلاً، وتطالع عناوينها وصورها الشحيحة. يومها لم تكن تفهم مقاصدها، وكان التمييز عصيًا بين فنونها و"مانشيتها".

لاحقاً، تعيش في ظلال "القدس" و"الشعب" و"الفجر"، وتستقر في ذاكرتك عناوين شتاء 1986 واستشهاد طالبي "بيرزيت" صائب ذهب وجواد أبو سلمية. وتجمع قصاصات "النهار"، وسواها، تحتفظ بمواعيد "الميثاق" نصف الأسبوعية، فقد وقعت يومًا في خدعة البائع الأسمر، الذي تحايل عليك بعدد قديم، تتذكر الحادثة مرارًا وتضحك.

عادة ما يميل لون الجرائد إلى الاصفرار بتقدم العمر، هذا يشبه تجاعيد البشرة لمن يتلاعب بهم العمر. ومع هذا تبقى الكلمات والصور كشاهد وتاريخ، أما الرائحة التي تفوح من الورق فهي مثل رشفة عطر تتحايل على الأنف، وتسيطر على الروح.

الورق للصحيفة هو السلاح، دونه لا معركة. ولسطوة الطباعة وحضورها  من السحر ما نعجز عن الإمساك بدقة وصفه. يكفي أن ترى الجرائد وهي تتباهى بعناوينها، أو تتفاخر بكتاب أعمدتها، وجيشها البارع. أما رئيس التحرير ففيه الكثير من صفات ضابط الإيقاع، دونه تتلف الألحان، أو هو بالنسبة لمحبي تشبيهات الطعام والموائد، الملح الذي يصون الأطباق والبهار الذي يصنع الفارق. 

الصحف الافتراضية، وحتى إن دخل الورق غرفة الإنعاش لن تصنع المجد، يكفيها فقط أن تتولى التعريف بالأطباق، والإسراف في المجاملات، و"الجمع المباركة"، وحصد "اللايكات"، وانتهاج دروب الصحافة الصفراء.

لنا أن نتخيل شعور قارئ اعتاد منذ ستين سنة انتظار الحبر ليرتشف العناوين قبل قهوته وزعتره، ثم ينتهي به الزمن الجميل، ويأتي حفيده ليقول: "جدو، شفت شو ناشرين على "الفيسبوك"؟ 

قاتل الله الزمن "العنكبوتي"، الذي جعلنا رهائن لشاشات ذكية وغبية، وعوالم أفسدت كل شيء بسرعتها وعجلتها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018