بيت برناردا ألبا.. مسرح لوركا يصرخ ضد الاستبداد

 

ضج مسرح جامعة بيرزيت بصوت برناردا الأم تحاول إحكام السيطرة على بيتها ذي البنات الخمس بعد وفاة الوالد، وسط أنوار مطفأة إلا من ضوء خافت هناك حيث الصوت، ذلك كان المشهد الأول في مسرحية بيت برناردا ألبا للشاعر الاسباني لوركا، ولكن هذه المرة بنكهة فلسطينية، حيث أخرج العمل المخرج الفلسطيني فتحي عبد الرحمن، ومثله على تلك الخشبة نخبة من طلبة جامعة بيرزيت.

تدور أحداث هذه المسرحية في بيت الأم برناردا التي تقرر حبس بناتها الخمس بعد وفاة والدهن كحداد لمدة ثمانية أعوام، إلا أن الابنة الكبيرة ترث والدها -زوج الأم الاول- ما يجعل شبان القرية يتهافتون على التقدم لطلبها، وهنا تبدأ المفارقات العنيفة بين المصلحة والحب والحرية، مصورة بدقة أدق تجليات الاستبداد في وجهيه السياسي والعائلي، حيث كتب لوركا هذه المسرحية في أوج الحرب الأهلية الاسبانية عام 1936 كمحاكاة للاستبداد ووضعه محل الاختبار، حيث تبحث هذه المسرحية في عواقب الاستبداد التي جاءت وخيمة حسب نهاية المسرحية؛ فهذا البيت ما كان سوى استعارة عن السجن استخدمه لوركا ليحاكم المستبدين، وهي ميلودراما ريفية بامتياز، تم إخراجها فلسطينياً على خشبة مسرح جامعة بيرزيت لتلامس الواقع الفلسطيني وتتقاطع معه فتقتطع بعض اللحظات.

هذه المسرحية بعين مخرجها الفلسطيني فتحي عبد الرحمن كانت للنساء فقط، النساء المحرومات من حريتهن التي تعتبر أغلى ما يملكن، حيث يتم عزلهن وحرمانهن من جميع حقوقهن، فالوالدة تطبق العرف الاسباني الريفي بصرامة فتغلق الأبواب والنوافذ وحتى الأضواء تمنعها لمدة ثماني سنوات عجاف. وهذه المسرحية تصور المجتمعات التي ترفض الحياة، فتغلق على نفسها تماماً بذريعة الحفاظ على التقاليد والأعراف الاجتماعية، حتى لو كان الثمن الاستبداد والقضاء على حياة شابات ما زلن في مقتبل العمل.

وفي حديث لجريدة الحال مع برناردا التي جسدت شخصيتها طالبة علم النفس في جامعة بيرزيت منى الباشا، تحدثت عن تجربتها في المسرح الفلسطيني بشكل عام ومسرحية بيت برناردا ألبا بشكل خاص، حيث أكدت على أن للمسرح الفلسطيني مسيرة واضحة رسخت جذورها منذ فترة ليست قصيرة، وترى منى أن تطور المسرح الفلسطيني إلى ما هو عليه اليوم مبعث للفخر والاعتزاز فهو يحمل رسالة واضحة إنسانية ووطنية وتربوية، ويسعى من خلال مسرحياته المتنوعة إلى إبراز أفكاره ومبادئه، حيث ترى أن المسرح الفلسطيني استطاع أن يجعل من نفسه منافسا قوياً للمسارح الدولية والعربية، إلا أن ما ينقص هذا المسرح الفلسطيني يكمن في بعض التقنيات الصارخة التي تتقن مسارح العالم استخدامها، إلا أن الموهبة المتواجدة بكثرة بين الشباب الفلسطينيين تعتبر أساس تطور هذا المسرح.

قد تنتهي ممكنات نص لوركا عند الحدود الاسبانية، إلا أن الفكرة لا تموت أبداً، فالاستبداد موجود بتجليات مختلفة، نجح المخرج عبد الرحمن في اخراج استعارات ومجازات هذا الاستبداد منطلقا من ثقافة فلسطينية عايشت الاستبداد وتقاطعت مع حلقاته.

وعن رأي الباشا بإخراج مسرحية عالمية بنكهة فلسطينية قالت إنها تعتبر نفسها من عشاق الأدب المسرحية العالمي الذي يعود أحيانا إلى فترات الإغريق والرومان أمثال سوفوقليس وقد تعود إلى فترة الانجليز أمثال شكسبير، وتعتبر أن عشقها لهذه الأعمال المسرحية جاء من كونها تستخدم اللغة الشاعرية القوية والتشبيهات العميقة التي تحمل في طياتها العديد من المفاهيم القوية التي مازات تجلياتها في عصرنا الحالي كبعض المشاكل الاجتماعية والسياسية، والحروب والدمار أو المطالبة بالحقوق.. الخ، وإن ما يعتبر مثيرا للاهتمام هو اهتمام المسرح الفلسطيني بهذا النوع من النصوص المسرحية والاستعانة بها لصنع مسرحية كاملة متكاملة من طاقم فلسطيني يعيش في عصر مختلف تماما عن العصر الذي كتبت فيه أحداث القصة، ففي هذه النصوص الكثير من القصص التي تتشابه مع عصرنا، إلا أن اختلاف الشعوب والثقافات والحقب الزمنية كاختيار مسرحية من الثقافة الاسبانية مثلا وأدائها من قبل طاقم فلسطيني يمكن أن يضيف شيئا للمسرحية ويجعل الواقع الفلسطيني المعيش اليوم من هذه المسرحيات ضرورة لعرضها ونقاشها.

يذكر أن الطالبة منى الباشا وقفت على المسرح أول مرة منذ أن كان عمرها تسع سنوات حيث شاركت في مسرحية "طار الحمام" مع المسرح الوطني الفلسطيني- الحكواتي. أما الابنة الصغرى التي جسدت النهاية بامتياز الطالبة ياسمين خميس فكانت هذه المسرحية بالنسبة لها بمثابة تجربة مميزة صهرت ابداعها في بوتقة التجسيد، فخرجت أكثر خبرة على الصعيدين الفني والشخصي، واعتبرت أن التمثيل مع المخرج فتحي عبد الرحمن، الذي يعتبر شخصاً استثنائياً، كان لها بمثابة شهادة تفتخر بها وتجربة صقلت موهبتها وأعطتها الكثير وأثرت تجربتها في وسط متعطش لصقل مثل هذه المواهب الصاعدة.

انطفأت الأنوار مجدداً ليستقرئ الحاضرون وجه النهاية الأسود، الموت والندم، تلك كانت نهاية الاستبداد السياسي في قالبه الاجتماعي الريفي كما صورها لوركا الاسباني، وترجمها عبد الرحمن الفلسطيني، ونجح في تجسيده طلبة فلسطينيون يبحثون عن منفذ لإخراج ما ببواطنهم من إبداع منسوج بخيوط من الأسى اليومي الفلسطيني.

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018