العناوين.. "قنابل موقوتة" أم "جرة رجل"؟

 

يبني القارئ والسامع علاقته بالأخبار من عناوينها، فيكمل النصوص أو يقلب الصفحة. وغالباً ما تتزاحم العناوين فتتكرر أو تتشابه أو تعجز عن التشويق أو تتسبب بالملل، والقليل منها ما يغرد خارج السرب.

تفتح "الحال" باب العناوين، وتسأل عددًا من المحررين والصحافيين عن "الملوك" الذين يعتلون رأس الهرم، وترصد تجارب وآراء عديدة للمكتوب الذي يقرأ من عنوانه.

 

مفاتيح

ترى رئيسة تحرير أسبوعية "الحدث" رولا سرحان، أن العناوين مفتاح النص، والوسيلة الأولى الأهم التي تسحب القارئ نحو المادة. فقديمًا كان العنوان جاذباً يعكس فحوى الخبر مع تركيز شديد على مهنية كتابته، أما اليوم فأصبح أكثر جذباً للقارئ، لكنه في كثير من الأحيان يأتي على حساب المهنية.

تقول: نتيجة ثورة التواصل الاجتماعي، التي خلقت "الإعلام البديل"، الذي صار وسيطاً بينه وبين الإعلام التقليدي، بتنا نرى في العنوان "وسيلة جر" للقارئ من مواقع التواصل إلى الموقع الرسمي لوسيلة الإعلام؛ لضمان استمرارية الوسيلة التقليدية بموقعها الإلكتروني، ولحيوية زيارة القراء له. 

وتضيف سرحان: كثرة العناوين، والاهتمام المتزايد بصياغتها، والتفنن فيها، واتباع سبل مبتكرة كاعتماد التساؤل حيناً، أو استخدام كلمات غريبة، أو كتابة نصف العنوان، كلها أساليب مستحدثة خلقتها مواقع التواصل الاجتماعي. وفي بعض الأحيان تكون العناوين مُضللة إما بقصد، وتأتي على حساب المهنية، وترجيح كفة التجاري على حساب المهني، وإما لجذب القارئ أكثر لأهمية الفحوى.

 

منارة

ووفق الصحافي ماجد أبو عرب، فإن العنوان "قنبلة موقوتة" إما أن تنفجر في وجه القارئ أو تكون المنارة المضيئة له، فالعنوان القصير والمعبر والمختصر والمثير هو ما يجذب انتباه القارئ ويدفعه لمتابعة تفاصيل ما بعده، لكن على الصحافي الابتعاد عن العناوين البراقة والنص منزوع التشويق.

يتابع: هناك عناوين أفقدت ثقة القراء ببعض الصحف، مثلما فعلت صحيفة البلاد الأردنية، عندما كانت توزع في فلسطين، حين عنونت على أولاها بعد اغتيال المهندس يحيى عياش بيوم "يحيى عياش ما زال حيًا"، وفي تفاصيل الخبر تبين للقراء أن المحرر تلاعب بمشاعر الناس وكتب "إن عياش ما زال حيًا في قلوب الجماهير"، ما أضعف إقبال القراء، ثم توقف توزيع الصحيفة.

ويكمل أبو عرب: العنوان القوي مفتاح جيد لقراءة جيدة، فقد فزت بمسابقة عبر تحقيق استقصائي بعنوان "من قتل ربى قرقش"، واخترت عنوانًا مثيرًا لقصة مهندسة قتلت في مستشفى بنابلس. والعناوين الناجحة معرضة للسرقة من جانب قراصنة الإعلام، الذين يتلاعبون قليلا فيها. ومما كتبته ولن أنساه "حجر على جدران ضمير" وهو عنوان لقصة جاسوس تائب وانخرط في صفوف المقاومة في بلاطة، و"مقابر بلا أسماء" عن أموات مخيم بلاطة الذين لا يجدون مكانا لدفنهم بسبب ضيق مساحة مقبرة مخيمهم، ولجوء الناس إلى هدم بعض المقابر القديمة لدفن الأموات الجدد، "وتوابيت تنتظر" لحكاية جاري الذي اضطر أهله الى إجراء تغسيله الأخير في منزله، ثم نقلوه ببطانية لمسافة تزيد عن 100 متر؛ لعدم وجود متسع لدخول الكفن الخشبي من زقاق المخيم الضيق، وكان التابوت في انتظار جثمانه خارج المكان.

 

جذب

تلخص المحررة في موقع (ويب طب) ريم أبو لبن تجربتها، فتقول: أبحث دائما عن العناوين الجاذبة والقصيرة، وابتعد عما يُكتب لشد القارئ بلا مضمون. فقد كثرت العناوين في المواقع الاخبارية المحلية، التي ليس لها علاقة بمضمونها، وهدفها جذب أكبر عدد من المشاهدات. ويشترط في العنوان المصداقية والبساطة.

وتكمل: الجهد والوقت المبذولان لكتابة العناوين في المواقع الإلكترونية يأخذان وقتًا أطول من الوقت المخصص لعنوان في صحيفة. وبالنظر إلى مواقع التواصل الاجتماعي نجد أنفسنا منجذبين تلقائيًا لعناوين "نارية" تتحدث عن واقع غير مألوف، وهذا النوع محبب للقراء. 

وتتابع أبو لبن: العناوين فن يحتاج إلى ذكاء ومعرفة ما يبحث عنه الجمهور، واحتاج دائما لوقت إضافي لاختيار عنوان جاذب، وكتابته أصعب مرحلة في التقرير والقصة. ومما يعلق في ذهني عنوان: "هيفاء وهبي بطاقة عبور لحواجز إسرائيلية" لتقرير يتحدث عن طريقة يتبعها جنود الاحتلال لإذلال الفلسطيني الذي ينتقل عبر الحواجز، إذ يسمح لمن يحمل صورة للمغنية هيفاء وهبي بالعبور، أو أن يشغل المسجل على أغنية "بوس الواوا".

 

صعوبة

واستنادًا إلى المحررة في موقع "الحياة الجديدة" الإلكتروني أمل دويكات، فإنها تمضي وقتاً طويلاً في التفكير بعنوان مناسب وقوي لما تصيغه، وأحياناً تكتب العنوان، ثم تعود مرات ومرات لترتيبه وتطويره ليصبح أفضل، وترى أن العناوين التي تجذب الصحافي هي أيضاً ما تجذب غيره، والعناوين الغريبة، التي تمس حياتنا اليومية، لها حق الأولوية بالضغط على زر القراءة والمتابعة.

وتقول: لأني أعمل في الصحافة، فليست كل العناوين تضللني، لكن التضليل لا بد أن يتبعه البعض. أيضًا هناك عناوين تتعرض للسرقة، إذا كان مستبعدًا على الجمهور الوصول إلى مصادرها الأصلية، وثمة عناوين يعاد اقتباس شيء منها بطريقة غير مباشرة.

تنهي دويكات: يلعب العنوان دوراً حاسمًا في اتخاذ قرار إكمال القراءة من عدمه، خاصة في زمن قراءة الأخبار عبر روابط مواقع التواصل الاجتماعي، والمنافسة شديدة حد الصراع، والفرص ضئيلة جداً للحظوة بوقت القارئ المتعجل.

 

نماذج

يقول الصحافي موفق عميرة: من أكثر العناوين العالقة في ذهني، ما كتبته مرة "حياة برفقة الغاز وقصص إنسانية مسيلة للدموع"، ولم يتعرض عنواني للسرقة، وبرأيي أن الذي يكرر عناوين غيره لا يفقه شيئًا في الإعلام. 

ويضيف: هناك عناوين تقارير نشرها طلاب صحافة جدد في "الحال" كانت مميزة، ومن أسوأ ما قرأته بعض عناوين المقالات للكتاب الجدد. ولا أنسى ما تعلمناه في الجامعة من شروط للعناوين: القصر، والشمولية، والوضوح، والجذب.

ووفق الصحافي في "الحياة الجديدة" إسلام أبو عرة، فإن العنوان الأقوى هو المختصر الذي يحتوي على اقتباس قوي المضمون. ولفت انتباهي عنوان تحقيق صحافي يعالج التدخين عند الأطفال يحوي عنوانا فرعيا هو "الرئة القاصرة"، وأمضي وقتًا في اختيار وصياغة العنوان لأنه مرآة ما أكتب. أما العناوين المضللة فموجودة، وتظهر خصوصًا في شبكات التواصل الاجتماعي التي تروج لمواقع هدفها جمع أكبر عدد من القراء دون الاهتمام بالفائدة التي سيحصل عليها.

أما الصحافي في قناة "أورينت" ساري عبد الحق، فيقول إن العناوين متعبة وليست سهلة المنال، وبحكم طبيعة العناوين المتلفزة، فإن الأمر مختلف في فنياته وشروطه والوقت الممنوح للمحرر.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018