أبو محمد الصباح: 51 عامًا على باب مستوطنة

 

على قمة جبل في الجهة الشمالية من بلدة تقوع شرقي بيت لحم تتربع ثلاثة منازل قديمة، تشكل عقبة امام التوسع الاستيطاني على ارض البلدة، وفي منطقة لا تبعد سوى امتار قليلة عن سياج ما تسمى مستوطنة  "تكواع" تقف هذه المنازل التي تعود للمواطن محمود الصباح "ابو محمد" البالغ من العمر 75 عاما، والذي بنى منزله عام 1964 ليشكل خط الدفاع الاول في وجه الامتداد الاستيطاني. 

وكانت سلطات الاحتلال وجهت للرجل مجموعة من الاخطارات بالهدم التي تهدد وجوده في ارضه، علاوة على هدم منزله مرتين في ثمانينيات القرن الماضي. وقام الحاج بنصب خيمة بجوار ركام منزله الى ان تمت اعادة بنائه من جديد. والاحتلال يمنعه من البناء لغرض التوسع الاستيطاني لكنه في كل مرة يكسر  قرارت الاحتلال العنصرية. 

وعن رحلة صموده الطويلة قال الصباح: "ليست لدينا حرية، لا نستطيع البناء، ابنائي مستقبلهم في المجهول، مصيرنا التشتت اذا بقينا على هذا الحال، 3 من الابناء مقبلون على الزواج ولا مكان يسكنون فيه".

ويجلس ابو محمد كل صباح امام منزله الذي يبعد عن المستوطنة ما يقارب خمسة امتار ويفصله عنها سياج محاط بالعديد من كاميرات المراقبة، وينظر بحرقة وحسرة صوب الارض التي التهمها سرطان الاستيطان واستولى عليها. 

ووصف صباح المنطقة التي يسكنها بالخطرة، فهو وعائلته يعيشون في حالة من الرعب الدائم، فحياته مليئة بالقلق وذلك لبعده عن احياء البلدة وقرب المستوطنين من منزله، فحتى الحيوانات لم تسلم من بطشهم واعتداءاتهم الوحشية، لكنه مع كل ذلك يتحمل الاعباء ويصر على الصمود في ارضه ومنزله رغم كل الضغوطات ومخططات التهجير التي يتعرض لها لترك ارضه ومنزله.

وبين الصباح ان رحلة العذاب تبدأ على ايدي المستوطنين الحاقدين في ساعات الليل، فيقومون برشق الحجارة باتجاه المنزل، ويكاد لا يخلو يوم من ان تنام عائلة الصباح على اصوات الاغاني والموسيقى  الصاخبة بهدف اجبارهم على الرحيل. 

ويوصى المواطن صباح ابناءه دوما بالتمسك بالارض والصمود فيها، لان الارض هي الوطن والوجود، فلا وجود لنا دون الارض. ويقول "رغم عمليات الارهاب والتخويف التي استخدمتها سلطات الاحتلال وما زالت تستخدمها بهدف ترحيلي من ارضي.. لن نرحل "ولا عمرهم يحلموا فيها"، لان هذه الارض ارضنا وارض اجدادنا"، فنحن نسكن هنا قبل ان يأتي هذا الاحتلال اللعين الى ارضنا. 

وتبلغ مساحة ارض ابو محمد الصباح 50 دونما واكثر، يحميها هو وعائلته من الزحف الاستيطاني، وتعد المتنفس الوحيد للقرية التي تحيطها المستوطنات من الجهات الثلاث.

واوضح الصباح ان الخدمات والمساعدات التي تقدم للعائلة ضئيلة جدا مقارنة مع الهجمة الاستيطانية التي تستهدف العائلة واراضيها.

وفيما يخص الاغراءات التي قدمتها سلطات الاحتلال له كي يبيع ارضه ويرحل، قال: "عرضوا علي مبالغ لا يمكنكم تخيلها" في سبيل ان يترك ارضه، الا انه مصمم على الصمود رغم كل الاغراءات والظروف. 

ويشكل المواطن صباح عنوان الصمود والثبات على ارضه وسدا منيعا امام الغطرسة الاحتلالية والمخططات الاستيطانية التي تتربص به بشكل يومي لتضعه تحت دائرة الاستهداف الدائم. فصموده اكبر من ان نكتب عنه بنص، فهو في كل يوم يكتب فصلا جديدا من فصول الصمود، وصموده اكبر من رواية، واعمق من موسوعة واغنى من أي قاموس، فكل ما يرتبط بمفردات الحقل الدلالي لمفردات صموده هي قاموس بحد ذاتها.

 

  • طالب في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018