يوميات مسن سابق

 

1

قبل أن تقول صاحبي ليس خدوماً، تحقق من أنك طلبت ما يمكن فعله، وقبل أن تمنح الناس شهادات بالجرأة، تأكد فيما إذا كانت تلك الجرأة شيئاً من الوقاحة، ولا تتجرأ لوزن أخلاق الناس قبل أن يكون لديك معيار واضح واحد على الأقل، وبعدها نقاضيك. ولا تصف أحداً بالعناد أبداً، فربما صدرك أضيق من أن يتسع للرأي الآخر كما هو، وقبل أن تقول: غير المال فلاناً، افحص نفسك، ربما غيرك ما هو أتفه من المال.

 

2

زهاء أربعة عشر قرناً، ظل الشعر العربي شعراً. لم نكن نسمع عن شعراء لا يعرفون عروضاً ولا قافية. لا ألوم إلا نفسي حين أقرأ نصاً لا أعرف ما هو؛ لماذا أقرأ؟، وبالأخير يخبرني ضياء البرغوثي أنها قصيدة نثر. نعم؟ كيف استطعتم تزويج الكلمتين؟ قصيدة ونثر؟ أقول لنفسي: اقرأ وأنت ساكت. "للشعراء" الذين لا يعرفون الوزن: كل أنوار باريس لا تغني عن شمعة تضيئها وأنت تقطع الكعكة احتفالاً بعيد ميلادك. ضع لمبة في الغاتوه مثلاً. الآن، يركبون طائرات A380 (تفرج عليها في النت)، لكنهم يتعلمون ركوب الخيل. ليسوا رجعيين يا سيدي الكريم. على فكرة، الشعر ليس بحاجة محام. تخيل أن الفلافل بحاجة للدفاع عن إبقاء الحمص داخلاً في تركيبته. سبحان الله!

 

3

كان الصحافيون مؤرخين وجغرافيين ولغويين من الطراز الأول. تراهم يعرفون الفرق بين كلمتين أكثر من المتخصصين. السبب: كانوا يدركون قيمة المعنى. يعرفون الفرق بين "وفاة" و"رحيل"، ولا يضعون "أكد"، وهي داء الصحافيين المعاصر، في موضع "قال". ما لك وما لهذا الكلام؟ منحوا كل مواطن يرسل صورة للمؤسسة الإعلامية لقب صحافي، وصار "المواطن الصحافي"، وفتّش عن المصداقية بعدها يا فهيم.

 

4

كبرت المدرسة أربع سنين فصارت جامعة. ابتليت بأستاذ، ما أحسنه، كان يقول لنا في بيرزيت: الأسبوع المقبل امتحان عن الكوفة، بعدها نهيم على وجوهنا في المكتبة. ثم كبرت الجامعة سنتين أخريين فصارت تهب الماجستير. يخرج الموظف من عمله قبل ساعتين ليلحق حصة الماجستير ويصل بيته مع المغرب لا يقوى إلا على النوم، فصباح اليوم التالي دوام، ثم يقدم امتحاناً "شاملاً" ويصبح محاضرا. مبروك.

 

5

إذا تزوج في البلدة عريس، لا ينام أحد تلك الليلة. كان موسى حافظ وأكرم البوريني يقلبان ليل الناس نهاراً. كان لبيت العتابا طعم، ولردة المعنّى سطوة. ثم جاءنا قوم لا يعرفون من هذا إلا أقله، فستروا سوءتهم بآلات غريبة. المصيبة أنها جرفت معها حتى المجيدين.

 

6

كان الزمن قبل خمسة عشر عاماً أجمل. كان للنفاق طعم آخر، حتى إذا مدحك أحد في وجهك - مرائياً - قال كلاماً حلواً يلحس عقلك.

 

7

اليوم عطلة. حتى عن التحسر على الماضي القريب.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018