هل يمتحن "التوجيهي" قدرتنا على التغيير؟

أشعل قرار مجلس الوزراء تغيير نظام امتحان "التوجيهي" ضجة في الشارع، وانتقل الصدى من أروقة المجلس وديوان وزارة التربية والمدارس والمعلمين والطلبة إلى كل بيت ومجلس، ودخلت الوزارة في غزة على الخط لعدم استشارتها، ولم يشف مؤتمر الوزير التربية كل الصدور.

تعالج "الحال" الهزات الارتدادية للقرار، وتخرج بلوحة آراء ومواقف قد تُعيد الجدل إلى سيرته الأولى.

 

امتحانان 

يقول وزير التربية والتعليم العالي د.صبري صيدم لـ "الحال": "مشكلتنا مع "التوجيهي" التقليدي أنه يمتحن القدرات العقلية بامتحان تحريري، ويقيس المقدرة على التذكر وإظهار المعلومات التي حفظها الطلبة تحت ظروف صعبة معنويًا وإنسانيًا، ولم يكن قادرًا على فحص القدرات الذاتية. ولكن النظام الجديد سيفحص الجوانب الشخصية: القدرة على العمل ضمن فريق، وتولي زمام المبادرة، وإدارة الوقت، والإبداع، والعمل من أجل هدف، والبعد القيادي. وسيفحص الذات قبل التركيز على الامتحان التحريري، وسيجمع بين شخصية المتقدم والامتحان التقليدي، وسيستند إلى "ملفات الإنجاز" التي يقدم فيها الطالب مشروعات مختلفة، ثم يراكمها لتقديرها. وسيتركب الامتحان من مواد إجبارية واختيارية. واستفادت الوزارة من تجارب عالمية وبريطانية وأمريكية، وجمعتها بالمدرسة التقليدية".

ومما كشفه د.صيدم في مؤتمر صحافي (عقد قبل أيام) أن الامتحان الجديد سيغير أداة القياس وليس النظام الشامل لـ"التوجيهي"، وستحافظ الوزارة على مصداقية الامتحان وقبوله عربيًا وعالميًا. كما سيدمج إنجاز الطلبة في الصفين (11 و12) كجزء من تقييمه العام، وتوسيع المدى الزمني والفرص، لتحقيق متطلبات نجاح الطالب، أو لتحسين علاماته في حال رغب بذلك، وتقليل المباحث التي تدخل في حساب الطالب (4 إجبارية و2 أساسية). 

ويؤكد صيدم أن البداية ستكون عينة اختيارية في الضفة وغزة، وسيتقدم الطلبة للنظامين معًا، وستنقل نتائج التجربة للمجلس لإقرار النظام العام القادم.

ووفق ما أعلنه وزير التربية، فإن شكل الامتحان ما زال تحت النقاش، وسيجري تعديل المباحث والفروع، والتركيز على تعزيز المباحث الخاصة بالفرع، إضافة إلى تشجيع الإجراءات التي من شأنها خلق التوازن في الالتحاق بين الفروع، والاعتماد على دمج التعليم المهني بالأكاديمي مبكراً واعتماد الإرشاد المهني. لكنه أكد أن  فلسطين ستكون الأولى عربيًا في تنفيذ فحص الكفايات الذاتية، والقدرات التحريرية معًا.

 

تعديل

وردًا على سؤال "الحال" بشأن تصريحاته السابقة (التوجيهي ديناصور يجب أن ينقرض، والشعب يريد إسقاطه)، ومدى تطابقها مع التغيرات التي تقرر إدخالها، قال د. صيدم: "إنه يتوقع أن تكون أفضل مما طمح إليه، فقد طالب قبل تولي الوزارة بالقضاء على الضغط النفسي الهائل الذي يتعرض له الطالب، ووقف اقتحام خصوصية الناس بنشر العلامات على الملأ، وتحويل عملية رسمية إلى استعراض، وفرز طبقي واجتماعي على أرضية النتائج، وشد أعصاب. وربما لن تنشر النتائج العام الحالي وسترسل النتيجة للطالب، أو ستعلن برقم الجلوس".

وكشف وزير التربية عن استحداث "بنك للأسئلة" يجري تخزين أسئلة مختلفة، وعند عقد الامتحان لن يستمر ضغط الطلبة في الرقابة، وسيحصلون على أسئلة مختلفة، وسيبتعدون عن الشحن والتنكيل والضغط لهم ولأسرهم. وستتوفر مساحة للتعبير عن الذات، ولن يكون الامتحان قدرًا.

يقول: "سيسقط التوجيهي بدءًا من العام القادم، وبعد نجاح التجربة هذه السنة نبدأ بالتنفيذ، ونهدف منها إحكام الامتحان بشكله الجديد، واختبار قدراتنا على التنفيذ، وإذا ما أخفقنا سننظر إلى الخلل ونصوّبه. وقد جاء التغيير بعد 50 جلسة للجنة الوطنية لإصلاح التعليم".

 

قُدسية

ويزيد صيدم: تحظى طريقة إجراء الامتحان والتعامل معه بقدسية، فلا يطرح الموضوع للنقاش، ولا تختلف الناس في الطعن بالنتائج ولكن تحزن لطبيعتها، وليس لأحد الصلاحية في أن يفتح جدالاً. ويدلل حجم المصداقية للامتحان الحالي على عدم الاختلاف حوله وإنما الطريقة التي يُجرى فيها. ولكن، مع نهاية "التوجيهي" الحالي، نكون قد طبقنا عدم إعلان النتائج، وبنك الأسئلة، واستحداث ملفات الإنجاز، وأتمتة الامتحان، وستسبق هذه الخطوات التطبيق الشامل.

يختتم الوزير: "التوجيهي" مسألة كبيرة لموضوع استمر 52 عامًا، والتغيير محفوف بالمخاطر، ولكن يجب أن نُقدم عليه، ولا يمكن استمرار الامتحان بشكله الحالي، ودفعنا ثمنًا كبيراً من التأخير، ولا نريد الحكم على التجربة بالإعدام مسبقًا، ونطمئن الجميع بإمكاناتنا وإرادتنا وقرارنا على التغيير وقدرتنا عليه، رغم أنه عملية مُخيفة.

 

عيوب

فيما يرى عميد كلية التربية في جامعة بيرزيت د. حسن عبد الكريم، أن "التوجيهي" الحالي حافل بالعيوب، لتركيزه على أسئلة ذات مستويات تفكير متدنية، ولقياسه حصيلة معارف بدلاً من عمليات تفكير. كما يعكس معرفة الطلبة في السنة الأخيرة، ولا يفحص التراكم المعرفي والمهاراتي خلال 12 سنة في المدرسة.

يقول: "رغم السلبيات، يشكل الامتحان مقياسًا يتسم بالعدالة النسبية والمصداقية المعقولة؛ نظرًا لقواعد التطبيق المُحكمة التي تحيط به، كما أنه مؤشر مقبول تعتمده الجامعات الفلسطينية والعالمية. وتشير عدة أبحاث لارتباط إيجابي بين الامتحان والتحصيل الجامعي المستقبلي".
لكن عبد الكريم يرى أن البديل المطروح لـ"التوجيهي" غير واضح المعالم، "وهو ليس نتاج أبحاث ودراسات حقيقية، ومن غير المتوقع أن يحل عيوب ومشاكل الامتحان الحالي، وعلى الأرجح أنه لن يلقى قبولاً اجتماعياً، وسُيقابل بالرفض. ويضيف: "يجب المحافظة على الامتحان الحالي مع ضرورة تطويره وتعديله للحد من عيوبه، ولا أعتقد أن إيجاد بديل "دراماتيكي" سيكون سهلاً أو متاحاً في المدى المنظور، والخطير في الأمر أن العديد من دعاة التغيير يرفعون شعار تغيير "التوجيهي" فقط لأجل التغيير، ولا يوجد لديهم بديل رصين وواضح المعالم".

يتابع عبد الكريم: ليس من الواضح كيف ستدمج إنجازات الطالب في الصفين العاشر والحادي عشر مع "التوجيهي". ولا نعرف كيف ستقاس المهارات المعقدة التي يستند إليها المقترح؟ وكيف سيتم الحكم عليها من خلال الحاسوب؟

ويرى أن التناقض الأبرز في تصريحات الوزير القول "إن التوجه الجديد سيقلل الضغط النفسي على الطلبة الممتحنين وذويهم"، فكيف لاختبار يمتد لثلاث سنوات أن يكون أقل ضغطاً نفسياً من امتحان يعقد في سنة واحدة؟". 

ويختم عبد الكريم حديثه: "هناك خشية حقيقية على عدم قبول القائمين على أمر الثانوية العامة في غزة النظام الجديد، ومن المستبعد أن تجازف الوزارة بهذا الجانب الذي لا يزال يمثل وحدةً، ولو رمزية بين شطري الوطن".

 

شروط

بدوره، يؤكد المدير العام لمركز إبداع المعلم رفعت الصبّاح وجود إجماع على عقم "التوجيهي" الحالي وضرورة إسقاطه، لكن الأمر ليس سهلا، ويجب أن يسبقه تغيير منظومة القيم المجتمعية، وزرع الثقة في صفوف الطلبة والمعلمين. فمثلاً، كيف سيكون شكل الإبداع في ظل الخوف؟

ويتابع: "ما أعلن من تغيير حتى الآن ليس مقترحًا متكاملا يمكننا تقييمه ونقده والمشاركة فيه، وهي أفكار ناقشها وأقرها مجلس الوزراء ولم تأت في سياق خطة واضحة. وهي ليست ذاتها التي طرحت في مقترح متكامل سابقًا، وتتحدث عن عملية تبدأ من الصف العاشر، ويرافقها تحديد خيارات الطلبة بين المهني والعلمي، مع ميزة التنقل بين المسارات".

ويتخوف الصبّاح من عدم نجاح التغيير المُعلن عنه، إن غابت خطة متكاملة وتغيير ثقافي يبدأ من الأول الأساسي، وتتسلح بفلسفة جديدة للتعليم وإنتاج المعرفة. ويقول: فكرة التغيير ليست ناضجة بعد، ففي وقت نستمع لخطاب رائع من وزير التربية، نحتاج أيضًا إلى حراك مجتمعي وتطوير المنهاج وإصلاح التعليم وصولا للتغيير الشامل. ولكن من تجربتنا نلمس حذر الوزارة من إشراك المجتمع، وسرعتها في القرارات. 

ويتساءل: إذا كانت المدارس بمعظمها دون تهوية جيدة وتنقصها وسائل التدفئة، فكيف سنطلب من المعلمين والطلبة الإبداع، ثم نضع معايير لقياسه؟ 

ينهي الصبّاح: "التوجيهي" ليس قدرًا علينا، وينبغي السؤال عن جدوى استمراره، ونخشى أن يستمر النظام الجديد في قياس صفات الطلبة لا قدراتهم، ومن المهم تعزيز التعليم المهني، ومنح الجامعات حرية وضع معاييرها لقبول الطلبة الجدد.

 

"جرثومة"

بينما يقول مؤسس مؤسسة "تامر للتعليم المجتمعي" التربوي د. منير فاشة إن "الجرثومة" الأكثر تمزيقًا للإنسان والمجتمع الآن، تكمن في التقييم الذي لا يقول بما يُحسنه الشخص، بل يضع الناس على خط عمودي للمقارنة، ليشعر كل شخص أنه أعلى أو أدنى من آخر، وقياس المرء برقم يوحي بأنه يعكس حقيقة حيادية.

ويضيف: تقدّم 80 ألف طالب وطالبة عام 2015 لـ"التوجيهي" نجح منهم 50 ألفا، وخرج الباقون بشهادة علنية من هيئة رسمية تقول إنه فاشل، وهذه تراتبية للسيطرة على العقل، وجرثومة تغذيها كلمات توحي بالإيجابية مثل تنافُس وتفوّق وذكاء. 

ويتابع فاشة: "تقيس هذه الامتحانات بأفضل الأحوال أمورًا ترتبط بقدرات آلية، وتتعامل مع ألفاظ أغلبها مبهم، ولا ترتبط بفهم وقدرة على ترجمة المعرفة إلى فِعْل. ويتمّ هذا الإذلال بحق الطلبة ونلوم الضحية، ثم نستغرب مدى الخراب الذي نشهده!".

 

ضحايا

ويضيف فاشة: "نُغْدِق التهاني للناجحين، ولا نسمع أحدًا يتساءل عما يحدث للضحايا، فقط لأن عقولهم لا تتوافق مع القوالب الفكرية المتمثلة بالمناهج والامتحانات. وكمثال، إذا لم يتوافق طعام مع ذوقنا، نختار غيره، وإذا لم ينطبق قميص على جسمنا، نرفضه. والطبيعي، ألا نعاقِب ولا نُذِلّ من لا يتوافق ذوقه مع طعام أو جسمه مع قميص، وعلينا ألا نُعاقب ونذلّ من لا يتوافق عقله مع منهج وامتحان ضحل أيضًا".

ويتساءل: من قرّر المواد المدرسية الحالية، وبماذا يمكن أن نستبدلها؟ ربما يبدو السؤال غريبًا، ولكن ما حصل في الواقع أن المعرفة بشكلها السائد قُسّمت عام 1892 من "لجنة العشرة" (ضمّت 10 أشخاص)، وهذا التقسيم ضمن القبيلة الأوروبية- الأمريكية ليس ملائمًا لنا. 

 

حلول

ويقترح فاشة حلاً للتعلّم في الابتدائية، يتمحور حول جوانب حياتية تستعمل المجاورة وسيطًا، كالزراعة (تشمل العلوم والرياضيات والطقس والطعام)، والثقافة (تضم اللغة الحيّة، والتاريخ الذي نبدأه بالذاكرة الجمعية، والجغرافيا التي يمكن أن تبدأ بالتعرّف على المكان والطبيعة والناس من حولنا، والقمر (يجمع بين العلم والفلك والطبيعة والدين والشعر)، والقدس باعتبارها المدينة الوحيدة التي يطمح أكثر من نصف البشر لزيارتها. والجميل في هذه المواد أنها تستعمل الحواس والأطراف المهملة في مدارسنا، والضرورية لربط الفكر بالطبيعة والحياة. 

ويختم فاشة حديثه: "لدينا كعرب منذ 1400 سنة بديلاً للتقييم العمودي، لكنه يحتاج إلى جرأة، ويتمثل بعبارة الإمام علي: "قيمة كل امرئ ما يحسنه"، التي تتضمن كرامة وتعددية وحكمة وقيمة لكل إنسان، وتشفينا من الوضع المريض السائد، الذي يشهد كل سنة أن بين 30 و40% من أبنائنا فاشلون".

 

ذكريات

تقدمت المربية دلال ياسين صوافطة، لامتحان "التوجيهي" عام 1967، ولا تنسى كيف أسرع الشبان يوم سقوط الضفة الغربية وغزة بيد الاحتلال إلى قاعات الامتحان في كلية الروضة بنابلس، ووفروا للممتحنين وسيلة للعودة إلى بيوتهم خارج المدينة. تقول: "حُرمنا من تأدية امتحانين (التاريخ العام والفلسفة للأدبي)، و(الرياضيات والفيزياء للعلمي)، وبعد وصولنا لطوباس، هربت وعائلتي إلى الأردن، وحرصت على الاحتفاظ بقلم (الباركر) الذي كتبت به الإجابات ورقم جلوسي، وظهرت نتائج الامتحان ونحن في إربد، وحرمتنا النكسة من الفرح، فقد كان الأهل عادة يُعلّلون (يحتفلون) 3 أيام، وكانت المعدلات متدنية، وليس كما هي اليوم".

ودون شك، لا تذكر صوافطة أسئلة امتحانها قبل 49 سنة، ولكن الطالبة هدى إبراهيم، وهي بعمر أحفاد المربية دلال، تستعد لخوض الامتحان عام 2018 وتقول: "قد يكون التغيير للأسوأ، لكن لنجربه مرة واحدة فكل شيء من حولنا يتغير بسرعة، ولن نخسر شرف المحاولة".

 

جدل

يبدو أن نقاش "التوجيهي" لم يتوقف عند هذا الحد، فقد أعلنت وزارة التربية في غزة (بيان صدر في 17 كانون الثاني) أن المقترح المعلن "تم بمعزل تام عنها، وهي لا تعلم عن مضمونه شيئاً، ولم يتم نقاشه مع أصحاب العلاقة فيها قبل تقديمه لمجلس الوزراء، على الرغم من أهمية هذا الموضوع وحساسيته الكبيرة في ظل الأوضاع الراهنة".

وأضاف البيان: نستغرب نهج الوزارة في الضفة الغربية فيما يخص شؤون التعليم، التي تهم الكل، فنجدها تنفرد بالتقرير بشأنها بعيداً عن غزة، وفي حال تمثيلنا، يكون ذلك شكلياً فقط، ليعطي انطباعاً بوحدة العمل في الوزارة، الأمر الذي يعزز الانقسام ويزيد من تداعياته السلبية على التعليم ومخرجاته.

وفي اليوم التالي أكد بيان للوزارة في رام الله "عدم إخضاع التعليم للتجاذبات السياسية وإبقاءه خارج الخلافات". وأشارت إلى أنها "حافظت منذ بدء الانقسام على الوحدة ونبذت الخصام والانقسام، وضربت مثالاً على ذلك بمحافظتها على سير تقديم امتحان التوجيهي كل عام كامتحان واحد وموحد". وآثر وكيل الوزارة  محمد أبو زيد في اتصال لـ "الحال" عدم التعقيب على بيان غزة، مؤكدًا أن الوزير سيعلن تفاصيل تغيير "التوجيهي".

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018