لم يدم أكثر من 3 أيام قباطية التي حولت "الحصار الجماعي" إلى مهزلة!

 

انطلق الشهداء الثلاثة، أحمد زكارنة ومحمد كميل وأحمد أبو الرب، من بلدتهم قباطية جنوب جنين، نحو القدس وقد خططوا بكتمان وأخفوا أسلحتهم تحت معاطفهم الشتوية، مجتازين جميع الحواجز الإسرائيلية وعيون المنظومة الأمنية التي تعترض كل تلك المسافة بين شمال فلسطين وجنوبها.

وصلوا القدس بعد وثبة علت أمتار الجدار الفاصل، ونفذوا عملية في باب العامود، يوم الأربعاء 3/2/2016، انتهت بمقتل جندية وجرح ثلاثة آخرين من حرس الحدود الإسرائيلي، واستشهد الفلسطينيون الثلاثة الذين بلغ بهم عدد شهداء قباطية تسعةً، ممن ارتقوا في فلسطين منذ اندلاع الهبة الشعبية مطلع أكتوبر الماضي.

خبر العملية هز الأوساط الإسرائيلية، فاجتمع، عاجلاً على إثرها، رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو، بجلسة أمنية ضمت قادة الأمن وكبار صناع القرار في كيان الاحتلال، وخرج الاجتماع بعدة قرارات، منها حصار قباطية واعتبارها منطقة عسكرية مغلقة لقوات الاحتلال، كخطوة عقاب جماعي لأهل بلدة ينبع منها شهداء مؤلمون.

بعد قرار الحصار بساعات، وصلت الجرافات الإسرائيلية محيط البلدة، وأغلقت حوالي عشرة من منافذها بأكوام عالية من التراب.

لكن أهل قباطية، منذ اللحظة الأولى للحصار، قالوا إنهم أدرى من الاحتلال بشعابها! فقد سلكوا الطرق الالتفافية تارة، وأزالوا أكوام التراب بمجارفهم اليدوية وجرافاتهم الآلية تارة أخرى. وفي أحيان كثيرة ردوا بكلمة "بهمش" أو بمعناها، على ذلك الحصار.

استمر الاحتلال، ثلاثة أيام، بالادعاء أنه "يحاصر ويعاقب" قباطية، ودارت المواجهات بين جنوده والفلسطينيين هناك. حتى تم تبليغ، الارتباط المدني الفلسطيني، عشية اليوم الثالث، بأن الحصار انتهى، وانسحبت الآليات العسكرية، وسط احتفالات لأهل البلدة الذين جابوا شوارعها بمواكب سيارات و"زوامير"، في مشهد يشبه ذلك الذي يحدث مع أعراس الزواج الفلسطيني.

المواطن أحمد نزال، عبر عن أن "قباطية انتصرت" بتدشينه لوسم #نعيما_نتنياهو، على موقع فيسبوك، إيحاءً بصمود بلدة تشتهر بمقالع الحجر والمقاهي التي يؤمها أغلب شبابها يوميا.

رئيس بلدية قباطية، محمود كميل، استهل تأكيده على ثبات أهالي البلدة: "شجرة الزيتون شعار قباطية، دائمة الخضرة والعطاء، جذورها في عمق الأرض وأغصانها تعانق السماء، هكذا هم الناس هنا".

وقال كميل: "الحصار وحد عائلات البلدة وتنظيماتها في مقاومة الاحتلال على مداخلها".

وأضاف معلقاً على هذا الإجراء: "المشكلة في الحصار ليست عندنا". وشدد على أن سبب العنف متمثل بحكومة إسرائيلية متطرفة معدومة الأفق السياسي، وإن مقاومة الفلسطينيين نتيجة حتمية لتراكم ظلم الاحتلال.

ومن الأضرار الاقتصادية التي تترتب على إغلاق قباطية، أن البلدة تحتوي إحدى أوسع المساحات الزراعية في محافظة جنين إضافة إلى أضخم سوق خضار في المنطقة "الحسبة".

هذه السوق، من أهم الروافد الاقتصادية على البلدة ومعظم قرى مدينة جنين التي تتجاوز الخمسين قرية، فتستقبل "الحسبة" عادة معظم المنتجات الزراعية لأهالي قباطية والقرى المجاورة ثم توزعها على محافظة جنين ومختلف محافظات الضفة الغربية من شمالها إلى جنوبها حتى الخليل.

وفيما يخص سوق الخضار، بين رئيس البلدية كميل، أن الاحتلال يستهدف "الحسبة" التي يؤدي إغلاقها ليوم واحد أو يومين إلى تكدس وتلف أطنان من المنتجات الزراعية سواء في المزارع لعدم جدوى قطفها أو في السوق لعدم إمكانية بيعها.

لكن كميل، أكد أن بلدية قباطية تملك العديد من الأماكن الاحتياطية التي تنقل سوق الخضار إليها في الحالات الطارئة، ومن هذه الأماكن ساحة كبيرة تقع على شارع نابلس بين بلدتي قباطية وبئر الباشا.

من جهته، ذكر التاجر يوسف أبو حلاوة، أن نقل "الحسبة" إلى الساحة القريبة من بئر الباشا (غرب جنين)، تم فوراً منذ اليوم الأول للحصار، وبدأ المزارعون والتجار بسلك الطرق الالتفافية والجبلية من داخل قباطية للوصول إليها، "كخطوة في تحدي حصار الاحتلال للبلدة" على حد تعبيره.

ولا ينكر أبو حلاوة، أن نقل الحسبة إلى مكان غير معتاد، يضعف حركة البيع والشراء فيها لعدم شهرة المكان الجديد. لكنه يشدد على أن إغلاقها بشكل تام يعني تدمير المزارع في المنطقة.

واستكمل: "بعلاقاتنا كتجار مع الزبائن نجحنا، اتصلنا بهم هاتفيا وأخبرناهم بالمكان الجديد للحسبة، ولا استسلام لحصار الاحتلال".

"مش حاسين بحصار ومبسوطين"، بدأ المواطن محمد نزال بهذه العبارة تعليقه على الحصار، بينما كان يقف على مقربة من المواجهات التي دارت بين أبناء البلدة وقوات الاحتلال في المدخل الرئيس لقباطية.

ورأى نزال من زاويته، أن حصار قباطية والاشتباك مع الاحتلال على تخومها، أنهى واحدا من مظاهر الهدوء لسنوات، الذي "يوحي بالرضوخ للاحتلال والاستسلام له في الضفة الغربية" على حد وصفه.

وتابع بقسمات وجه مستخف بما يحدث: "هذا الحصار جميل؛ فقد لم شمل الناس وجمعهم عندما تعطلوا عن عملهم، أنا أرى أصدقائي وأهل بلدتي هنا في المواجهة، هذه جَمعة مريحة افتقدتها منذ زمن".

ودعا نزال إلى الواقعية "وعدم كي الوعي" بكلمة حصار مضخمة، عندما قال إن الحواجز الترابية على مداخل البلدة ليست محروسة بالجنود جميعها، فقد "فتحناها بالطواري"، أي المجارف اليدوية.

وأقسم نزال أنه رأى سائق جرافة آلية، يمر مصادفة من جانب أحد الحواجز، فأزاله ببرود أعصاب ومضى.

"رح تمنع التجول؟ لو إني بدي أنام ونعسان رح أطلع جكر"، عبارة قالها المواطن الفلسطيني ابن قباطية، فراس زكارنة، وهو يؤشر بإصبعين يمسكان "سيجارة" لم يشعلها بعد، في مقطع فيديو نشره على فيسبوك بعنوان "رسالة إلى نتنياهو" على خلفية قرار حصار البلدة.

ووصف زكارنة في مقطع الفيديو، أن إغلاق البلدة، ليس إلا جو تكاثر للشبان الذين يتعطلون عن عملهم، فيتفرغون لمواجهة الاحتلال. ويصير الواحد اثنين، والاثنان أربعة، والأربعة ثمانية فمئة عند نقاط الاشتباك.

ولاقى فيديو زكارنة الكثير من المعلقين بالإعجاب والتأييد من الفلسطينيين، كما لعبت مجموعة من الفضائيات الفلسطينية المحلية دورا كبيرا في مسرحة الأحداث، فكان ما يجري على الشارع الرئيسي أو مدخل الحسبة مشهدا يحشد ولا يفرق، يعمق الانتماء والولاء ورفض الاحتلال ولا يشتت، وبدا الأمر وكأن السحر انقلب على الساحر، ففُك الحصار والعقاب الجماعي، اللذان تحولا إلى مهزلة حقيقية، ببساطة.

 

*طالب في دائرة اللغة العربية والإعلام بالجامعة العربية الأمريكية

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018