فاطمة حامد.. محاربة قديمة تتحدث

 ألقت نظرة خاطفة على شريط الذكريات، رتبت جلستها وأشرقت من محياها ابتسامة، وقالت: "أفتخر بكوني سلوادية". هكذا عبرت الحاجة فاطمة إسماعيل حامد (78 عاماً) عن اعتزازها بالانتماء إلى بلدة سلواد المحاذية لجبل العاصور، رغم تنقلها وعائلتها بين القدس وحيفا، ثم عودتهم إثر أحداث النكبة إلى بيتهم المتلألئ بالورود والمتفيئ بعرائش العنب في سلواد.

 

قشة العشق الاولى 

"ولدتُ في خضم ثورة عام 1936، وتعسرت ولادة اولى الكلمات والخطوات لديّ لمدة سنة وثمانية اشهر بعدما شاهدتني امي أحمل قشة – ألوح بها للأمام - واخطو اولى خطواتي واقول باللهجة البريطانية، "يلا بره" مقتفية بذلك اسلوب قوات الانتداب البريطاني اثناء طردهم للعائلات الفلسطينية من بيوتهم بغرض التفتيش، ومن هنا كانت بداية التعلق بالمقاومة والسلاح المتمثل بـ "القشة". 

شاهدت وشهدت الحاجة فاطمة أحداث النكبة الفلسطينية، ومعها بدأ الوعي الثوري يتبلور في ذهنها. تقول: "لو سنحت لي الفرصة أن اشارك في ذاك الوقت (بقصّرش)"، واشارت إلى تفاعلها مع تلك الاحداث بقولها: "كنا نشاهد المناضلين السلاودة على المركبات يحملون السلاح مثل العريش، وكنا ندحدل وراءهم اساور فضة على أمل عودتهم سالمين"، إذ كان الاعتقاد السائد آنذاك أن إلقاء أساور الفضة خلف المقاومين يحفظهم ويعيدهم سالمين. 

ومع انضمام أخيها عبد الإله لحركة "فتح"، تمكنت الحاجة فاطمة ورفيقاتها من انجاح اربع علميات فدائية نفذتها مجموعة عبد الاله. تستذكر: "كنا في الليل نحمل السلاح على الدواب وننقله من الحدود والجبال لمنطقة العملية ".

وتروي الحاجة بكلمات فيها روح الفكاهة وهي تشير إلى قصر قامتها: "اثناء التحضير لإحدى العمليات، احضروا بندقية "ناتو" طولها يوازي طولي الآن، تملكتني الحيرة في البداية ولم اجد طريقة لإخفائها تحضيرا لنقلها، إلا أن وضعتها تحت عباءتي لتأخذ حيزاً امتد من كتفي إلى اسفل قدمي، حينها توجهت بالدعاء إلى الله ليبعد عني "عزايم" الجارات واهل البلد، لاني بقدرش انحني او اقعد وانا حاملتها".

 

حياكة الحلم

في عام 1968، التحقت الحاجة فاطمة بقواعد الثوار التدريبية في الاردن لمدة سنة كاملة بدعم شقيقها عبد الإله الذي استشهد أثناء تواجدها في الاردن خلال اشتباك مسلح مع جنود الاحتلال في مدينة اريحا، فمارست هناك هوايتها في تجميع وفك الاسلحة المتوفرة لدى المقاومة آنذاك، وكان حسها المقاوم بالاضافة لما حظيت به من ثناء ابو عمار "يا ريت لو عندي عشرة مثلك" دافعا اساسيا لتحصيلها العلامة الكاملة ما يتطلب منها في التدريب الدقة والسرعة لترتقي إلى مقدمة المتدربات. تقول: "أثناء تواجدي في الاردن مارستُ نشاطا يدويا، يتمثل في حياكة الملابس للفدائيين، ووصلت بي الطريق إلى تشغيل كامل جبل عمان في ذلك العمل".

مع انتهاء مدة التدريب، بدأت الحاجة فاطمة تحزم امتعتها لتسلك طريق العودة، ولم يمر سوى ثلاثة اشهر على عودتها لسلواد، حتى اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال المنزل، تقول: "طلبوا مني في الحال إخراج السلاح، لم أبدِ أي حركة تُفسّر على أنها خوف أو ارتباك، ذهبت إلى المخبأ، كان بداخله مسدس وقنبلة يدوية، خططت في محض لحظة ان اخرجها وأفجرها بالجنود، لكن سحبوني -مثل المغناطيس- حين اقتربت من المخبأ، ثم اخضعوني للتفتيش الميداني على ضوء اللمبة في غرفتي، قبل ان يقتادوني إلى السجن".  

قضت الحاجة فاطمة ثمانية اشهر في سجن نابلس، وكان ذلك الاعتقال الاول الذي مر "دون ان يسرق الاحتلال اي لقمة اعتراف من فمي على أحد، وفي المقابل لم يعترف احد عليّ". 

 

إلى آخر الطريق

كان الرابع عشر من شهر آذار لعام 1971 تاريخا يذكر الحاجة فاطمة بجولة الاعتقال الثانية، إذ قضت الشهر الاول في معتقل نابلس، وهناك تآمرت احدى ضابطات الاحتلال عليها وطلبت نقلها من مدير السجن، فخاطبته "لا أريد فاطمة هنا، فهي مجنونة، اعدها إلى المنزل. أما هنا، فلا مكان لها ابدا"، وتعلق الحاجة فاطمة على سبب اصرار الضابطة على نقلها بالقول: "تعاركت مرة معها في الاعتقال الاول، وشددتها من شعرها". 

أغلق معتقل نابلس، ونقلت كل الأسيرات إلى سجن الرملة، ومن ضمنهم الحاجة فاطمة التي عُيّنت من قبل السجانين في قسم المطبخ، إلا ان اخواتها في السجن عارضنها في ذلك تحت ذريعة عدم امتلاكها الخبرة اللازمة "للحيلولة دون محاولة الاحتلال التلاعب بأفكاري، وحرصهن على حياتي". لم تستسلم الحاجة فاطمة لهذا الحرص وردت بمقتطف من رسالة بعثتها في احدى المرات لابنة اخيها في الاردن، كتبت على هامشها: "وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان.. فاطمة إلى آخر الطريق". 

وبهذا الاقتباس رن الجرس البريدي موصلا رسالة للقاصي والداني أن فاطمة ستبقى إلى آخر الطريق، فتراجعوا عن اعتراضهم طريقها، متذوقين من يديها لمدة 6 اشهر من السجن الاداري، وقبل خروجها من السجن تحت تقييد الاقامة الجبرية إلى حين مجيء السلطة، اشهى وجبات طعام يمكن تحضيرها في مطابخ السجون، وإلى جانبها نكهة الاصرار على مقاومة المحتل.

 

*طالب في دائرة الإعلام في جامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018