المعارضة العربية الأرثوذكسية تتجدد.. وعيد ميلادها يتجاوز عمره نصف قرن

 

تعتبر الرعية العربية الأرثوذكسية في بلاد الشام عامة وفي الأردن وفلسطين خاصة، الأكثر عدداً بين العرب المسيحيين، فبالنسبة للأردن وفلسطين، فقد ابتدأت الكنيسة المقدسية على يد الأسقف يعقوب الرسول ابن يوسف النجار الذي استشهد في عام 62م على يد اليهود، وخلفه  العديد من الأساقفة والبطاركة وكلهم كانوا عرباً، ونذكر منهم البطريرك صفرونيوس الدمشقي الذي استقبل الخليفة عمر بن الخطاب.

وبقيت رئاسة سدة البطريركية الارثوذكسية في الاردن وفلسطين تضم ابناء الوطن، الى ان تمت المؤامرة الهيلانية مع الدولة العثمانية، وبذلك سيطر على البطريركية العنصر اليوناني وأقصي العرب من رئاسة سدتها، وبقي الحال على ما هو عليه مع مجيء الانتداب البريطاني ومن ثم الاحتلال الصهيوني.

ولكن هذا الحال لم يكن هو ما أشاط غضب الرعية الارثوذكسية بالمقام الأول، فالبطريركية الارثوذكسية تفتقد لوجود أبرشيات وإكليريكيات، وتفتقد لوجود ابسط الحقوق الرعائية لأبناء الرعية، وتفتقد للمدارس اللاهوتية لإعداد الكهنة، وكذلك تغلق باب الرهبنة أمام الشباب الارثوذكسي في فلسطين والأردن، ما أدى لهجرة جزء منهم كي يخدموا خارج بطريركية القدس في بعض بطريركيات اليونان والاسكندرية وأنطاكيا. بالاضافة لهذه الاسباب الروحية، يوجد كذلك سبب وطني، من المعاملة العقارية الفاسدة لاملاك البطريركية، بتسريبها للمستوطنين والمساعدة على تهويد القدس، واستقباله لرئيس الكيان الصهيوني في مقر البطريركية في القدس. 

هذه الأسباب وغيرها الكثير أدى لخروج المسيحيين من أبناء الرعية الأرثوذكسية في وقفات غضب واحتجاج، وتشكيلهم لحملة اطلقوا عليها حملة "غير مستحق"، التي بدأت منذ عام 2007 وسحب حينها الملك عبدالله الاعتراف من البطريرك ثيوفيلوس لمدة شهرين واستمرت حتى يومنا هذا.

وفي حديث لـ"الحال" مع الناشط في الشباب العربي الارثوذكسي سلامة شاهين، أكد ان قضية الراهب اركاديوس لم تكن هي أساس المعارضة للبطريرك ثيوفيلوس. يقول: "برأيي أن قصة الراهب اركاديوس لم تكن السبب وراء معارضة ثيوفيلوس، ولكن التراكمات والتصرفات التي تصرفها ثيوفيلوس منذ اليوم الاول لاغتصابه الكرسي البطريركي هي السبب الرئيسي، حيث ينفذ أجندة خارجية وبعيدة عن الكنيسة".

وأكد سلامة أنهم في حملة "غير مستحق" يستهدفون جميع الأماكن التي يتواجد بها ثيوفيلوس، وهذا ما دفعهم للتوجه عشية الميلاد من العام الحالي لمدينة بيت لحم، حيث توجه الشباب العربي الارثوذكسي بطلب ترخيص لفعالية الاحتجاج على البطريرك من محافظ بيت لحم، لكنه رفض الطلب علما بأنها كانت وقفة احتجاج سلمية، وتزامنت هذه الحادثة مع طرد الراهب اركاديوس، فظهرت الفعالية بزخم اكبر في منطقة بيت لحم وبيت ساحور لعلاقتهم الوثيقة مع اركاديوس ومعرفتهم الجيدة فيه، وكان موضوع طرد الراهب اركاديوس مجرد جزئية من سلسلة افعال وسياسات يقوم فيها المدعو ثيوفيلوس، وهو يتصرف بأملاك البطريركية كأنها ملكه الخاص وبعيدة كل البعد عن تعاليم المسيحية.

 

قنواتي: بطريرك منحاز

وقال الصحافي جورج قنواتي "نحن كمسيحيين جزء اصيل من الشعب الفلسطيني، وبالتأكيد ما يضر قضيتنا يضرنا بشكل مباشر، واعتقد ان سبب هذه المعارضة للبطريرك هو انحيازه الواضح لسلطات الاحتلال أكثر من الشعب الفلسطيني الذي يمثل جزءا كبيرا منه، وبالتالي، فأية معارضة لمصالح الشعب الفلسطيني والمسيحيين الشرقيين خاصة تؤدي الى هذا الخلاف الكبير عليه".

وأًضاف قنواتي أن من أسباب معارضة ثيوفيلوس عدم أخذ موقف واضح من قضية التضامن مع الشعب الفلسطيني، بشكل لا يقبل الشك، وبالطريقة التي من المفترض ان تكون عليه بطريركية بحجم بطريركية الروم الأرثوذكس، كمسيحيين شرقيين فلسطينين، وبسبب البعد ما بين الرعية ورأس الهرم فيها، وأسباب تتعلق باستبعاد البعض وتقريب آخرين، اضافة الى عدم الوقوف بشكل واضح في وجه نداف الذي جند المسيحيين للقتال في صفوف جيش الاحتلال، إضافة الى ان رأس البطريركية الشرقية يجب ان يكون شرقيا، قريبا من الناس والرعية وادرى بمصالحهم، ولا يعتبر التعامل مع الاحتلال مجرد سياسة، وانما قد يصل الموضوع الى حد الخيانة، لأن الخطوط الحمراء للشرقيين ليست كما الغربيين، وليس من يعيش في فلسطين كمن يعيش خارجها.

 

عابودي: بطريرك لا يحترم قوانين الرعية

وأكد الناطق الإعلامي للمجلس المركزي الارثوذكسي المحامي شكري العابودي أن طرد البطريرك ثيوفيلوس لأركاديوس لم يكن هو السبب الرئيسي ولكن يوجد تراكم نتيجة افعاله من عدم تنفيذ لقوانين البطريركية وعدم احترامه كذلك للقوانين التي تحدد العلاقة مع الرعية، وتعيينه للمجلس المختلط (يتشكل المجلس المختلط من ثلثين من العلمانيين الوطنيين وثلث من الأكليروس "رجال الدين")، حيث إن هذا المجلس يتكون من أغلبية يونانية، وعدم رسمه لرهبان أو مطارنة عرب. 

وأضاف: "برأيي، إن هذه القضية هي قضية مسيحية روحانية وطنية بامتياز مع وجود تداخلات دولية فيها، وأن عزل البطريرك لا يتم إلا بارتكابه مخالفات معينة، ويجب ان يوافق على العزل المجمع الكنسي الذي هو صنع يديه، وبالتالي، فمشكلتنا معه ليست سهلة، وأكثر جهد يمكننا عمله هو تضافر جهود الحكومتين الفلسطينية والأردنية لسحب الاعتراف منه".

وأكد قنواتي أن الحل لهذه القضية يكمن في اقامة لجان للوقوف على كل ما جرى في السنوات الماضية، والايضاح للرعية والراي العام الفلسطيني ايضا، كل تفاصيل التسريبات، وكذلك تحقيق مطالب الرعية.

أما مطالب الرعية، فأوضحها لنا الناشط سلامة شاهين، ويمكن تلخيصها بعصرنة النظام الداخلي للبطريركية وايجاد نظام يمنع الفساد الداخلي، لان تسريب عقارات واملاك البطريركية هو نتيجة لغياب نظام اداري يمنع التصرف المنفرد للجالس على الكرسي، وسبب اخر لهذا الفساد هو غياب نظام الابرشيات المطبق بالكنيسة الارثوذكسية من بطريركية القدس، فحسب النظام الكنسي الارثوذكسي، يجب وجود أبرشيات لكل مدينة فيها تجمهر مسيحيين، حيث ينقل راعي الأبرشية صوت رعيته إلى المجمع المقدس، ولكن هذا الصوت غائب هنا، وبغيابه اصبح هم البطريركية هو التسلط والهيمنة العنصرية للعنصر اليوناني الذي لا يتجاوز عدده 100 راهب، على الرعية العربية التي يتجاوز عددها نصف مليون مؤمن في الاردن وفلسطين، وإلغاء نظام اخوية القبر المقدس الذي يمنع العرب من الدخول لسلك الرهبنة.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018