عندما يصبح الفضاء الإلكتروني أداة للتشهير" أصحاب الرأي تحت سياط جلادي فيسبوك

 

 

"مساء الثالث من كانون الثاني الماضي، جاء إلى منزلي ثلاثة رجال بلباس مدني، عرف أحدهم عن نفسه بأنه يعمل في جهاز الأمن الداخلي، وأنهم جاءوا لاعتقالي. طلبوا جهاز الحاسوب الخاص بي وبزوجتي، وكذلك هاتفي المحمول، فسلمتها لهم، ومن ثم اعتقلت واقتادوني إلى مقر الأمن الداخلي في غزة، المعروف باسم "موقع أنصار"، واستمرت عملية التحقيق معي لمدة تسعة أيام، قبل أن يفرج عني دون تقديم أية تهمة أو دليل ضدي". هكذا لخص أيمن العالول روايته لعملية اعتقاله والتحقيق معه، إلا أن "الجانب المظلم" في قصته لم يكن قضية الاعتقال وحدها، بل هناك ما هو أسوأ.

ما يمكن، في البداية، أن نعرف به عن الصحافي العالول أنه متزوج ولديه خمسة أبناء، ويعمل مراسلاً تلفزيونياً لقناة "الفرات" العراقية، كما أنه ناشط على وسائل التواصل الاجتماعي، فيسبوك وتويتر، وحسابه على فيسبوك يتابعه قرابة 40 ألف شخص.

يقول العالول عن فترة اعتقاله إنهم قدموا له خلالها بعض الأدلة التي تم دحضها سريعاً، من بينها مقطع فيديو له التقط خلال مزاح مع موظف بإحدى الفضائيات، حيثُ استفزه بالقول إن هناك "من يدفع لي مقابل ما أكتبه في مواقع التواصل الاجتماعي"، فرد العالول ساخراً أنه مستعد ليسكت إذا دُفع له، ليتسرب الفيديو لاحقاً، وهو أمر لم يتوقعه.

ويتابع العالول: "وضحتُ للمحققين أن مقطع الفيديو ذاك تم تصويره في إطار مزاح بيني وبين الموظف.. وأنه أخطأ بتسريبه. كما أوضحت أيضاً أنني تحدثت عن الوضع العام في قطاع غزة، دون المس بأي جهة أو شخص كان، فأين النيل من الوحدة الثورية إذاً؟!".

 

تشويه سمعة

والاعتقال على خلفية الأنشطة السياسية، أو النشاط على مواقع التواصل الاجتماعي ليس حدثاً جديداً، سواء أكان ذلك في الضفة الغربية أو قطاع غزة، مع ما يصاحب ذلك من حملات تشويه سمعة أحياناً. وقد عانى العديد من الكتاب والنشطاء في غزة من تجارب مماثلة، من بينهم الكاتب أكرم الصوراني، الذي  مر بتجربة مشابهة تقريباً، منذ شهور، عندما تم توجيه استدعاء له من قبل جهاز المباحث العامة في غزة، على خلفية نشاطه عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لتبدأ ساعتها حملة تشويه ضده، حيث يقول: "فوجئت بكم كبير من التعليقات التي زعمت أن الاستدعاء "على خلفية جنائية وليست سياسية"، وبدأ عدد من الأشخاص بمهاجمتي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وبمختلف التهم، ليتبين في نهاية الأمر كذب ادعاءاتهم. وهو ذات الأمر الذي تكرر بعدها مع أيمن، فبمجرد اعتقالك من قبل جهة محسوبة على تنظيم ما، يسارع كل من ينتمي لهذا التنظيم إلى قذفك فوراً بشتى التهم، ليتلقفها مروجو الإشاعات دون التأكد منها".

ويتابع الصوراني: "بعد تحليل التجربة التي مررتُ بها، يمكنني القول إن هدف مروج هذه الإشاعة هو إنجاح ما لم يتمكن منه الاعتقال السياسي: تدمير سمعتك وإفقادك محبة الناس، كي لا يصدقك جمهورك لاحقاً وتفقد مصداقيتك أمامه، فضلاً عن محاولتهم تدميرك نفسياً، من خلال البعد الاجتماعي لهذه المسألة عليك أنت وأسرتك، وهو ما يكشف مشكلة خطيرة في مجتمعنا، الذي يعاني من مشاكل في تدني الوعي وانعدام ثقافة "الحوار والنقاش البناء"، فبمجرد أن تنتقد أحدهم، يسارع لشخصنة الأمور واتهامك بمختلف التهم وتشويه سمعتك، وشتمك بكل الطرق، وهو أمر ساهمت في تعزيزه ثقافتنا الحزبية المقيتة". 

 

أدوات قمع إلكترونية

"إن استخدام التكنولوجيا الرقمية في جريمة متكاملة الأركان كالقذف والتشهير، يغير من هدف تأسيس مواقع التواصل الاجتماعي وتحويلها إلى "أدوات قمع" ووسيلة لترويج الإشاعات والقذف والتشهير بحق ضحايا حرية الرأي والتعبير". هذا ما قاله المختص في علم الاجتماع، حسام أبو ستة، الذي يرى كذلك أنه ستكون لهذه المسألة انعكاسات خطيرة على صعيد النسيج الاجتماعي الفلسطيني، وستؤدي إلى تفككه، وتعزيز خطاب الكراهية، ما لم يتم إنهاء هذه الظاهرة بقوة القانون، وتعزيز الوعي الاجتماعي تجاهها.

ويتابع أبو ستة: "الهدف الأساسي لكل شخص يقوم بالقذف والتشهير ضد أحد كتاب الرأي هو حرف بوصلة النقاشات لكي يصبح الموضوع الأساسي الذي يتناوله الجمهور هو "هل هذه الاتهامات صحيحة أم لا؟"، بدلاً من مناقشة القضايا التي دفعت تلك الجهات إلى إطلاق تلك الإشاعات، وإدخال "الضحايا" في دوامة معارك الدفاع عن النفس وإطلاق الاتهامات المضادة، أو دفعها للصمت. وما يزيد المسألة سوءاً في مجتمع كمجتمعنا هو تبني العديد من الأطراف هذه الإشاعات وتحولها بالنسبة لهم إلى "حقائق"، وترجمتها إلى عنف لفظي جماعي، ليس ضد الضحية وحدها، بل وضد زوجته وأولاده في كل مكان، حتى في المدارس والجامعات".

 

تدني منظومة القيم

أما الخبير الحقوقي، مصطفى إبراهيم، فيعقب على المسألة، من جهته، بالقول: "يجب محاسبة كل من يقذف مواطناً أو يشهر به قانونيا كي لا تتكرر هذه المسألة. وإن قضية العالول تعكس تدنياً واضحاً في منظومة القيم لدينا، فعندما يتم اعتقال إنسان بريء وتعذيبه، بل وتصل المسألة إلى التشهير به بشكل مسيء، وسط لامبالاة من شريحة واسعة من المواطنين، فإن هذا الأمر يدق ناقوس خطر لنا: إننا تخلينا بالفعل عن عاداتنا وقيمنا الأخلاقية، فيما يتجه مجتمعنا الفلسطيني إلى ترسيخ المزيد من العنف والكراهية، في ظل الانقسام الراهن".

وينصح العالول أصحاب الرأي بما توصل إليه من تجربته، قائلا: "إذا وقعت في مثل موقفي، فلا تحاول الدفاع عن نفسك، لأن من هاجموك ليسوا معنيين بالاستماع إليك، ومعرفة إذا ما كنت بريئاً أم لا، بل كل ما يعنيهم هو ترديد ما سمعوه -سواء أكان صحيحاً أم خاطئاً- دون أن يبالوا بأثر ذلك على الضحايا".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018