سلام على السَكينة في قلوبنا.. وعلى السِكّينة في جيوبنا..!

 

"السلام".. و"السِكِّينة".. "السلام" أي التصالح والهدوء والدعة. أمّا السِكّينة، فهي أداة المطبخ، التي تذبح وتقطع وتقتل!

فإلى أيّ مدىً نحمل في قطاع غزة السلام في ذواتنا وتوجّهاتنا وسلوكياتنا، حتى بعضنا معض بعض؟ وإلى أيّ مدىً نحن قادرون على ترك السِكِّينة وهجر الخوف والكرب، واللجوء إلى السَكينة ولو لفترةٍ من الزمن؟!

من يعيش تفاصيل الحياة في غزة هو الأقدر على وصف حالة الضيق والكبت. 

فإلى أيّ مدىً أنت قادرٌ على أن تحزن بطريقتك الخاصّة في غزة؟! أو أن تفرح أو أن تنتميَ للحرب أو السلم؟! أو أن تكون أنت الحقيقيّ في عالمك الافتراضي؟ أو أن تختار أن تعانق يدك يدَ شقيقتك، لتسيرا بارتياحٍ في شوارع غزة وأزقّتها؟!

وإلى أيّ مدىً أنت قادرٌ على رفض هيمنة السلطة المتحكّمة بالسلطة؟ وتعسفها في سحب مالك الزهيد من جيبك الفقير؟! إلى أيّ مدىً أنت قادرٌ على صياغة هوية غزة، غزّتك التي تحيا بها وتحيا بك. الأعلام والأسماء والمعالم تتبدّلُ وتتغيّرُ؛ فيما أنت نائم. وفي الخفاء، تُروى البذور لإحياء خلايا ميتةٍ للتطرف.

التفاصيل في غزة -التي تذبحنا كما السِكِّينة- كثيرةٌ وتُميتُنا ببطء.

حالة الاضطراب في روتينك اليوميّ في الذهاب والإياب للعمل، حيث تستيقظ على العتمة وتغفو مُجبراً على العتمة أيضاً.

عند تسليم ابنتك لباص الروضة غير المؤمّن، ينتابك شعور أنها حافلات الموت تنقلُ أطفالنا لرياضهم، فليس هناك حسيب أو رقيب على مدى سلامة الحافلات، أو حتى على ما يتلقّونه من غذاءٍ ماديٍّ وفكريّ، ناهيك عن عدم وجود حالةٍ مروريةٍ صحيّة في كلّ شوارع القطاع؟!

عندما أصعد إلى سيارة الأجرة، وأجد أنّ من سبقتني في الصعود سيدةٌ تضع النقاب على وجهها، فلا ترى منها سوى بضعة رموشٍ سوداء، فأفكر: أهي امرأةٌ أم هي رجل؟ أيجوز أن ألتصق بها في حال صعد راكبٌ ثالثٌ إلى جانبي أم لا يجوز؟!

وعندما تعجُّ ثلاجاتُنا بأشكالٍ وألوانٍ من الخضراوات والفاكهة تشبه مثيلاتها في الزمن السحيق. جميعها اختلفت؛ لونُها، طعمُها، حجمُها، فترةُ صلاحيتها، طريقةُ تعفّنها وطريقة احتفاظها بهويّتها! فقد تمّ تهجينها ومزجها وتقبيحها بأنواعٍ مختلفةٍ من الكيماويات والسموم والأدوية؛ لضمان الحصول على المال الوفير، وفي المقابل: الزهيد من الصحّة والنقاهة.

أُقسم أن يدي تمتدّ أحياناً مرتجفةً متردّدةً عند تقديمي حبّةً من الفاكهة لابنتي؛ التي لم تكمل العامين. لا أريدها أن تبتلع العسل والسمّ من إناءٍ واحد. 

الغريب أن قطاع غزة متخمٌ بالقوانين والفتاوى والأعراف، وبدل أن تحكمه سلطةٌ واحدةٌ، تحكمه سلطتان، إلى جانب سلطاتٍ أُخرى خفيّةٍ. إلا أنّه ورغم ذلك؛ غير محكومٍ بأيّ شيء. قطاعُنا الحبيب العنيد؛ كما وصفه أحد الشباب الذين لجأوا إليه من جحيم مخيم اليرموك بسوريا، باختصارٍ شديد، (ماشي على البركة).

كلّنا في قطاع غزة مجنّدون، ومشاريعُ شهادةٍ، لكن ليس باختيارنا ولا غصباً عنّا! وهنا التناقض والتضارب الذي يقطعك لنصفين إلى حدّ الانفصام.

أنت بحاجةٍ لهدنةٍ نفسيّةٍ بنفسجيّةٍ طويلةٍ وبعيدةٍ مع الذات؛ تدعمها كلُّ الظروف حولك.

وأنت -في المقابل- يجب أن تكون جاهزاً لأيّ عدوانٍ أسود (محتمل، مفتعل، مبتكر)، على كلّ شيءٍ ينبض بالانتماء لموضعٍ وُلدت فيه، وتوطّنت فيه، حتى صار يُسمّى (وطناً).

فلا أنت قادرٌ على أن تنكر المقاومة، ولا أنت قادرٌ على مدّ يدّك من النافذة مُلوحاً بفانيلة طفلتك البيضاء كي تعلن الرغبة في الاستسلام أو على الأقل لتعلن عن حاجتك لأن تتنفّس، ولو حزمة أكسجينٍ ملوثةٍ لدقائق معدودةٍ خلال 51 يوماً انصهر فيها الكربون مع الدمع!

غزة، أحبك حدّ الجنون.

وأكرهك حدّ الجنون أيضاً!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018