أهلا بالسينما التجارية!

 

بعيدا عن جدل المئة شيقل التي فرضها القائمون على عرض فيلم "يا طير الطاير" أو "المحبوب" للمخرج الفلسطيني هاني أبو أسعد، التي أثارت استياء قطاع عريض من الجمهور الفلسطيني، وبعيدا عن أمنيات وتوقعات هذا الجمهور الذي وقف وساند بطل الفيلم الفنان محمد عساف عندما كان في برنامج المسابقات الشهير على قناة "أم بي سي"، وبعيدا عن مدى إخلاص السيناريو ومن ثم الإخراج لقصة الفنان الصاعد وحجم ما هو غير حقيقي في قصة الفنان عساف، وبعيدا عن تصنيف الفيلم أكان سيرة ذاتية لفنان صاعد أو حكاية روائية لقصة ذات الفنان، وهي بالمناسبة جميعها موضوعات فنية تستحق الدراسة والاهتمام نقاشا وحوارا فنيا وثقافيا فلسطينيا وعربيا أيضا؛ الأهم هو بزوغ بوادر ظاهرة أول سينما تجارية فلسطينية، وهي ذات السينما التي عرفت دوما على أنها سينما قضية أو سينما فنية أو سينما مهرجانات ونقاد وبالتالي لم تكن طوال تاريخها الطويل سينما تلقي بالا لدور العرض، ولم تضع في اعتبارها شباك التذاكر أو الصالات أو المكاسب التي سيحققها المنتجون.

ذلك الأمر الذي نظر له مرارا على أنه عيب في السينما الفلسطينية وهو ما كان يجعل من أكثر انتاجاتها قوة وإبداعا وعمقا لا تعرض للجمهور في السينمات ولا تلقي لها الفضائيات بالا، بينما تتشبث بعرض الأفلام التجارية الرديئة.

إن المتابع لحالة السينما الفلسطينية يجد ان هناك مزية في هذا الفيلم بعيدا عن تقييمه النقدي أو جدل الناس حول مضمونه ومدى دقته وعن استغلال الجهات الانتاجية لظاهرة محمد عساف لكسب المزيد من المال (من استفادت من ظاهرة عساف ماديا تستفيد منه سينمائيا)، فالمميز في هذا الفيلم يتمثل في كونه يمهد لنوع آخر من الافلام الفلسطينية وهي الأفلام تجارية.

وهذا الفيلم الذي يتواجد في الصالات العربية اليوم يبشر بموجه جديدة من الأفلام الفلسطينية التي توقع بإمضاء مخرج فلسطيني يعرف كيف يختار موضوعاته، فقد مهد أبو أسعد في هذا الفيلم في إعادة التفكير في شباك التذاكر بفيلم "عمر" (2013).

هذا التحول في السينما الفلسطينية يجب أن يثير مجموعة كبيرة من الأسئلة، كما أنه تحول غير مضمون، فهل يمكن المراكمة عليه ليكون بمثابة ظاهرة أو موجة إلى جانب الموجات التي مرت بها السينما الفلسطينية طوال تاريخها وتجارب مخرجيها من الثورية وصولا إلى الموجة الجديدة في السينما الفلسطينية؟

رغم مواقفي من السينما التجارية عموما، إلا أنني أرحب بهذا النوع على اعتبار أن اي سينما لا بد وأن تكون فيها الأفلام التجارية، وهي أفلام على الأقل تذهب لصالات العرض وبالتالي الجماهير العريضة. كما أنه لا يمكن الوقوف أمام هذا التوجه الطاغي في عموم نتاجات السينما، لكن ما يمكن الوقوف أمامه هو أي سينما لا تحترم الجمهور مهما كانت طبيعة هذا الجمهور، والتجربة الماثلة بين أيدينا تبدو ذاهبة في منزلق التساهل والترهل والضعف الفني، والاستغلال.

نعم، نقول أهلا وسهلا بالسينما التجارية الفلسطينية، فقد أصبح هناك ما سيعرف بالسينما الفلسطينية التجارية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018