والد "السفيرة" بيان العسيلي يشتاق لظلّها

 

في مدينة الخليل التي أعيت الاحتلال بصمودها، وفي منطقة نائية محاصرة بمستوطنتي كريات أربع وخارصينا شرق المدينة هي "واد الغروس"، وفي منزل مبني من الحجر القديم، ومكون من أربع غرف؛ عاشت الشهيدة بيان العسيلي (16 عامًا).

وفي المنطقة نفسها، تعرضت بيان في 17 تشرين الأول الماضي، لتصفية ميدانية بزعم طعن مجندة على حاجز احتلالي، مقام على بعد مئة متر تقريباً من المدخل الرئيسي للمنطقة.

ولم يكتف الاحتلال بقتل بيان وحسب، بل احتجز جثمانها لمدة أسبوعين إلى جانب جثامين ما يزيد على خمسة عشر شهيداً من محافظة الخليل.

تحاور "الحال" في هذا التقرير عائلة الشهيدة بيان ومعلماتها وزميلاتها، ليروي كل واحد ذكرياته معها.

أيمن العسيلي هو والد بيان الذي "يشتاق لظلها" كما يقول، وأمها غدير، التي فطر رحيل بينا قلبها، وهي شقيقة لسبعة إخوة هم: باسل، وإسلام، وآلاء، ونور، ومحمد، وعبد الرحمن، ومجد.

كانت بيان طالبة في الصف الحادي عشر– أدبي "شعبة ج"، في مدرسة محمد علي المحتسب الثانوية للبنات في مدينة الخليل.

 

الطموحة والمتفوقة

يقول والد بيان إنها كانت تطمح لدراسة "هندسة الجينات"، لكنها حولت دراستها إلى الفرع الأدبي لأنها أرادت أن تدرس العلوم السياسية، لافتًا إلى أن بيان كانت نهمة القراءة، واسعة الثقافة، رغم صغر سنها ، ففي ليلة واحدة أنهت قراءة مجلد حول الحرب العالمية الثانية.

في حين تذكر شقيقتها آلاء أنها لم تكن لتترك تفصيلاً حول خبر أو حادثة إلا وحفظته، وكأنه درس في كتابها!

وحول طموح بيان التي تحبها زميلاتها ومعلماتها رغم حداثة التحاقها بالمدرسة منذ شهرين، تقول زميلتها بالمقعد الصفي يسرى القواسمي إن بيان كانت تطمح لمنصب وزيرة سعيًا منها "للتغيير في البلد". في حين تذكر صديقتها وزميلتها بالصف نهيل العويوي، أنها كانت على الدوام تحمل بيدها كتابًا، وتستثمر الاستراحة بين الحصص لتحضير دروسها.

وفيما يتعلق بأدائها الدراسي، تقول مديرة المدرسة ميرفت حسونة إن بيان كانت طالبة متميزة ومجتهدة، وأنها كانت فاعلة في النشاطات اللامنهجية. وفي آخر يوم لها بالمدرسة الذي صادف الرابع عشر من تشرين الأول، أصرت على المشاركة بالإذاعة الصباحية، رغم أنه ليس اليوم المخصص لصفها، حيث قرأت قصيدة رثاء للشهيد مهند الحلبي، الذي التحقت به بعد ثلاثة أيام.

 

حصتها المفضلة التاريخ

تؤكد عائلة الشهيدة بيان وزميلاتها ولعها الشديد بمادة التاريخ. وحول ذلك، تقول معلمة التاريخ سوسن شطريط التي لم تقوَ للوهلة الأولى على دخول الصف بعد رحيل بيان: "إن بيان تمتعت بشخصية مختلفة عن بنات جيلها، وكانت تحاور وتناقش بأسلوب يفوق عمرها الفعلي، ما كان يضفي جمالاً على جو الحصة الدراسي".

 

فراق مضاعف

لم يكن الكلام يخرج بسهولة من ثغر شذى أبو رجب، حين بدأت الحديث عن بيان، حيث جمعتها بها صفات ثلاث لصيقة؛ فهي صديقتها المقربة وابنة خالتها وزميلتها بالمدرسة.

تقول شذى: "كانت بيان مقربة جدًّا مني وتسر إليّ الكثير من الأمور، وقبل استشهادها بيومين بدت تصرفاتها عادية. ضحكنا كثيراً وسهرنا حتى ما بعد منتصف الليل. ولا أصدق حتى اللحظة أنها ذهبت بلا عودة".

وتضيف أن صديقتها الشهيدة كانت محبوبة، وقريبة إلى القلب، وبشوشة، علاوة على ثقافتها وتفوقها في المدرسة.

 

شخصية قيادية

تؤكد مربية صف الشهيدة بيان، إسراء عصافرة، أن بيان امتلكت صفات الشخص المؤثر والقائد. تقول: "بيان كانت محبوبة بين زميلاتها، واذا توجهت لإحداهن بالسؤال حول عدم المشاركة بترتيب الصف وتنظيفه، تُقابل بالترحاب لا بالمناكفة المتوقعة في موقف كهذا".

وفي ذات الموضوع، تورد إحدى زميلات بيان في المدرسة أنها تأثرت بها إلى حد كبير، لدرجة أنها كانت تفضل أن تكون بيان الشخص الأول الذي تقابله بالتحية الصباحية كل يوم.

 

ذكريات في البيت

تذكر والدة بيان بحزن، أن ابنتها تمتعت بالصبر، إلى جانب اتصافها بالحنو على أشقائها. وتضيف: كانت بيان تبدأ يومها بالصلاة، ثم تعد لوالدها قهوة الصباح، قبل الذهاب إلى المدرسة.

يقول والد بيان إن ابنته كانت في موسم التين تقطف له يوميًّا ثلاث حباتٍ من شجرة التين المزروعة عند مدخل منزلهم. ومهما قطفت من الثمار، فإنها تخصص له وحده ثلاثًا، بيد أن الأب الذي اكتفى بثمار التين، لم تشبع عيناه بعد من رؤية ابنته تكبر أمام ناظريه لتذهب للجامعة، ويزفها عروسًا بالثوب الأبيض.

 

السفيرة

يذكر والد بيان أن ابنته كانت بمثابة المندوبة أو "السفيرة" عن اخواتها؛ فإذا ما كانت إحداهن تريد طلبا "صعباً" من والدها، كانت المهمة توكل إليها. 

في حين يقول شقيقها الأكبر باسل إن رحيل بيان ترك فراغاً كبيراً في حياته، فيما لا يتوانى مجد "3 أعوام"، وهو أصغر أفراد العائلة سناً، عن التعريف بنفسه بأنه "أخو الشهيدة بيان العسيلي"، ولا يتوقف عن السؤال: "وين راحت بيان"!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018