واجبي أن أتعلم.. لا أن أدرس (رؤية حول التعلم والتعليم بدءًا بالمرحلة الابتدائية)

هناك فرق شاسع وجوهري بين "واجبي أن أتعلم" و"واجبي أن أدرس". الواجب الأول يضع المسؤولية عليّ شخصيًّا. ينبع من دافع ذاتي يرتبط بسياقي وبقائي وعافيتي، لا من سلطة خارجية؛ بينما الواجب الثاني يرتبط بمؤسسات وموظفين رسميين مرخصين، أي يصدر من سلطة خارجية ويرتبط بالسوق وعالم الاستهلاك، ويعني أن مرجعيتي تكمن خارجي.

كذلك، "واجبي أن أتعلم" يختلف عن "الحق في التعليم". الحق في التعليم مصمّم لإلهائنا عن واجبنا للتعلم، إذ يركّز على القفص، على المظهر لا الجوهر، وعلى مطالبة بدل التركيز على ما يمكن أن نفعله بأنفسنا وهو الأهم. نحتاج بإلحاح أن نميّز بين التعلم والتدريس، فأسوأ أنواع التعلم، في رأيي، هو الذي ينتج عن تدريس عبر مناهج مقررة وموظفين مرخصين. ما نحتاج له في العالم المعاصر أكثر من أي شيء آخر هو حرية التعلم على الصعيد الشخصي والجمعي، ما يتطلّب تنوعا في كل نواحي التعلم، خاصة بالنسبة للوسيط ومصدر قيمة المرء (عادة، أقترح المجاورة كوسيط للتعلم، و"قيمة كل امرئ ما يحسنه" كمصدر قيمة الإنسان– واللذين يمكن أن نمارسهما حيث استطعنا إذ لا يحتاجان إلى إذن ولا تمويل). يتطلب واجب التعلم الصدق في الفكر والقول والعمل والتعامل. في المقابل، واجب الدراسة يشمل (في أغلب الأحيان) عدم الصدق، فإرضاء المدرس لا الصدق هو القيمة الأساسية. واجب التعلم يعكس مسؤولية تنطلق من انتباهٍ شديد للواقع الذي نعيشه، ومن إدراكنا لموقعنا ودورنا فيه، وتحديد القيم والقناعات التي نلتزم بعدم مخالفتها في أفعالنا، ما يعني حكما وتثقيف للذات وتهذيب النفس والتعامل بحيث تتوافق جميعا مع عافية الإنسان والمجتمع والطبيعة. لكن هذا لا يعني أن نعمل وفق الفردية بل أن نتبع المجاورة كوسيط (والتي تشكل مصدر أمل وعافية)، فبدونها نجد أنفسنا بحالة يأسٍ وإحباط، إذ يتم قياسنا باستمرار في "واجبنا أن ندرس". كذلك، واجبي أن أتعلم يشمل معرفة مصدر ومحتويات ما يدخل معدتي وعقلي (وهذه مسؤوليتي) كما يشمل حماية الطبيعة مما يخربها أو يلوثها، وحماية الإنسان والمجتمع مما يمزقهما، وحماية كل ما هو حيّ، ما يمكن أن يسلب قدرته على توليد ذاته. واجب التعلم يعني ألا أطالب أو أنتظر أو أتوقع من أحد أن يحميني من التخريب والوهم والخرافات الحديثة بل أن أقوم بذلك ضمن المجموعات التي أعيش معها. واجب التعلم لا يعني أننا لا نحتاج في بعض الأحيان أن ندرس، لكن من الضروري أن يرتبط ذلك مع واجب التعلم الذي يمثل التحدي الأكبر والأعمق والأكثر إلحاحا في العصر الحاضر.

"واجبي أن أدرس" تعني البدء بكلمات مهنية وتصنيفات أكاديمية، وليس بالواقع الطبيعي- المجتمعي؛ كما تعني عبودية فكرية- معرفية أخطر ما فيها أنها تجعلنا نفتخر بها (دون أن نعي ذلك). دَرَسْتُ الرياضيات حيث اتبعت ما أُمْلِيَ عليّ دون سؤال ودون معرفة لماذا، ثم دَرَّسْتها حيث اتبعت ما أُمْلِيَ عليّ دون سؤال ودون معرفة لماذا. اتّباع تعليمات دون فهم هو صفة العبودية. من هنا، الحق في التعليم يعني في أغلب الحالات الافتخار بالعبودية. من الجدير بالذكر أن عبودية العقل هذه صُمِّمَت ضمن القبيلة الأوروبية للسيطرة على العقول بدءا بشعوب أوروبا ثم انتشرت حول العالم. عبودية العقل هي أساس العبوديات الأخرى. كيف يمكننا تفسير الافتخار بعبودية العقل؟ عبر صفات مثل "ذكي" (إذا اتبعنا ما يملى علينا دون فَهْم) وعبر مكاسب شكلية كشهادات وترقيات تُغْدَق علينا إذا فعلنا ذلك، إذ يعمينا عن رؤية ما يجري في الواقع. من هنا، يشكل السعي لتحويل جزء من واجب الدراسة إلى ممارسة قدرتنا البيولوجية في التعلم منطلقًا مهمًّا لتوليف رؤية حول التعليم أقرب إلى العيش بحكمة وعافية. لم يعد الوضع يتحمل أن نكون نسخة عن القبيلة الأوروبية. آن الأوان أن ننزع أنفسنا من "الاحتذاء بحذاء الغير" (لاحظه السكاكيني قبل 120 سنة كجوهر التعليم الذي أحضرته الجاليات الغربية)، وأن نمشي حفاة إذا لزم الأمر لنلمس الأرض من جديد.

فيما يلي رؤية تتوافق مع واجبي أن أتعلم (وليس مع أن أدرس) بدءًا بالمرحلة الابتدائية بحيث تحررنا من عبودية العقل؛ رؤيا تتمحور حول نواحٍ حياتية (بدلاً من المواد المنهجية السائدة)، كالزراعة وما يدخل الجسم من مأكولات. سنضطر (آجلاً أم عاجلاً) للعودة إلى الأرض كأهم مكوِّن في حياتنا (بعد أن تنهار مملكة الأوهام التي يبنيها التعليم الرسمي والبنوك)؛ وكاللغة الحيّة التي نكتسبها من الأهل والجيران وتشمل الأدب والحكايات والفنون؛ وكالذاكرة الجمعية لأهميتها في جدل نسيج مجتمعي (كأساس لمادة التاريخ)؛ وكالتجوال مشيا على الأقدام للتعرف على المكان الذي نعيش فيه (كأساس لمادة الجغرافيا)؛ والمأوى كضرورة حياتية؛ والقمر الذي يربط علاقتنا بالكون والجمال والشعر والتقويم؛ والقدس كالمدينة الوحيدة التي يطمح أكثر من نصف البشر زيارتها. وفق هذه الرؤية لا معنى لكتب مقررة (بل لاستعادة كتب تعكس نضجًا في الخبرة والتأمل)، ولا معنى للتنافس والتقييم على خط عمودي بل العيش وفق "قيمة كل امرئ ما يحسنه" ووفق المجاورة كوسيط للتعلم والعمل المجتمعي. أما السبب الرئيسي لعدم تبني مثل هذه الرؤية في التعليم الرسمي فيعود إلى أن هدفه (غير المعلن) هو السيطرة على العقول.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018