هل تجاوزت هبة القدس دور الأحزاب والفصائل الفلسطينية؟

في الوقت الذي تجد فيه الأحزاب والتنظيمات الفلسطينية صعوبة في تشخيص "الفعل المقاوم"، في القدس والضفة وغزة، وتقف طويلا أمام لعبة التوازنات والمصالح لإعلان انخراطها بما يجري منذ مطلع تشرين الأول الماضي؛ يأخذ الشباب الفلسطيني زمام المبادرة متجاوزًا النظام السياسي الفلسطيني برمته.

 

كشف المستور

انتفاضة القدس أو الهبة الجماهرية كشفت التكلس والشيخوخة التي أصابت التنظيمات حسب محللين ونشطاء.

يقول الكاتب والمحلل السياسي هاني حبيب لـ"الحال": "الأحزاب الفلسطينية عمومًا تراجعت منذ وقت ليس بالقصير، والانتفاضة كشفت عورتها، ومدى هشاشة الأحزاب وعجزها وبخاصة فصائل العمل الوطني، ومدى الحاجة لإعادة النظر في كينونتها".

ويخالفه الرأي الباحث بمركز التخطيط الفلسطيني جمال البابا الذي أعد ورقة بحث بعنوان "دوافع ومسببات الانتفاضة والهبة الجماهرية.. آفاق وأبعاد وسيناريوهات"، ويقول: "الأحزاب الفلسطينية دورها فعال على الساحة الفلسطينية سواء حماس في غزة أو فتح بالضفة، والحراك يتناسب بحجمه مع تطلعات السلطة، بالمقابل حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية تحاول تصعيد الهبة الجماهيرية في الضفة".

ويشدد على قدرة حركة فتح في الضفة على الفعل، لأنها ما زالت تمتلك الإمكانات، لكنها غير معنية بالتصعيد حتى لا تفقد سيطرتها على السلطة.

ويؤكد أن "توجه الشباب لنقاط التماس لا يخدم الهدف السياسي لحركة حماس باستمرار سيطرتها على القطاع، لذلك تحاول منع الشباب بالوعظ تارة، وعدم توفير الأدوات اللوجستية تارة أخرى".

ويلقي الصحافي والناشط الشبابي جهاد أبو شنب باللوم على الأحزاب في عزوف الشباب عنها بقوله: "الشباب يجد نفسه مهمشًا في كل الأحزاب، وليس له دور حقيقي سوى باعتباره جنديا يطيع القرارات، وهذه الفكرة تجاوزها وعي الشباب في مجتمعنا".

ويضيف: "اليوم نحن أمام أحزاب تخشى على مصالحها، ومقيدة على الصعيد المحلي والعربي والدولي، لذلك هناك حالة من الملل الشعبي بوجودهم الروتيني".

ويعاتب الأحزاب بالقول: "لم تقدم الدعم اللوجستي المطلوب منها لشباب الانتفاضة ولم تأمر شبابها بالانخراط فيها".

وتشاطر المحامية والناشطة الشبابية عطاء الخيري أبو شنب موقف أبو شنب تجاه الأحزاب الفلسطينية  بقولها: "في الآونة الأخيرة ضاعت بوصلة الأحزاب ولم تصبح فلسطين الغاية والهدف بل أحزابهم".

 

الانقسام.. ناقوس خطر

منذ حزيران 2007، والانقسام السياسي والجغرافي يلقي بأعبائه على الساحة السياسية الفلسطينية ما يشكل خطرًا مستجدًا على انتفاضة القدس لم تشهده الانتفاضة الأولى والثانية.

يقول رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الأزهر بغزة مخيمر أبو سعدة لـ "الحال": "بعد ثماني سنوات من الانقسام السياسي بين حركتي فتح وحماس، وفشل قوى العمل الوطني على وضع حلول عملية لمشكلاته الحياتية، ووضع تسوية تقود لقيام الدولة الفلسطينية على حدود 1967، بادر الشباب لأخذ زمام المبادرة، ووضع حد لغطرسة الاحتلال".

ويشدد هاني حبيب على أن "الانقسام يشكل حاجزًا حقيقيًّا أمام أي طريقة جادة من أجل انقاذ هذه الانتفاضة من أي فشل".

ويستعرض حبيب وضع التنظيمات خلال الانتفاضتين السابقتين والحالية ويقول: "الانتفاضة الأولى لم تكن هناك سلطة وطنية واحدة، وبعد وقت قصير تسلمت الفصائل الفلسطينية ناصية القيادة وتشكلت القيادة الموحدة، وفي الانتفاضة الثانية، السلطة تولت عملية التنظيم بشكل أو بآخر وبمشاركة القوى، ومع تصاعدها وتراجعها في الوقت ذاته، ظهرت بعض الفصائل بقوتها كحركة حماس، أما انتفاضة القدس الحالية، فهي بلا سلطة ولا فصائل لتنظيمها".

ويرى الباحث بمركز التخطيط ومدير دائرة المفاوضات جمال البابا أنه كي تتطور هذه الانتفاضة، فلا بد من تبنيها سياسيا وماليا وحزبيا".

ويحذر ناصر مهدي رئيس قسم الاجتماع في جامعة الأزهر بغزة من خطورة استمرار الانقسام على بنية المجتمع الفلسطيني بالقول: "ما حدث في المجتمع الفلسطيني بتعقيداته الكثيرة والمتداخلة، ارتبط بالنظام الاقتصادي والسياسي وانعكس على النظام الاجتماعي بكل مكوناته، وفي سنوات الانقسام طغت الاهتمامات الحزبية والمصالح الفئوية، ما أدى لانعدام الثقة".

 

بلورة قيادة ميدانية شابة

رغم حالة التنظيمات السيئة إلا أنه لا يمكن الاستغناء عن دورها بحكم خبرتها في احتضان الانتفاضة، حتى لو استدعى الأمر تشكيل قيادة شابة تلبى مطالب ورغبات المرحلة.

يقول مخيمر أبو سعدة: "جيل الشباب يقودنا لفرضية أنه لا يؤمن بالتنظيمات بتركيبتها التي تكلست وقيادتها التي شاخت، وأي عمل مقاوم فلسطيني لا بد من احتضانه واسناده فصائليًّا لتتكفل بأهالي شهداء الانتفاضة وجرحاها وأسراها".

ويرى أبو سعدة أنه لا مانع من بلورة قيادة ميدانية جديدة من جيل الشباب حتى يكتب لهذه الانتفاضة أن تدير أعمالها، وتقوم بوضع سقف سياسي يمكن تحقيقه".

ويرى حبيب أن معظم شهداء انتفاضة القدس هم متحزبون، لكن قرارهم كان فرديًّا ونابعًا من ثقافة وطنية نضالية أسست لها الفصائل .ويتابع: "لا يمكن إنكار دور الفصائل بهذا الصدد رغم عجزها".

ويبقى جيل الشباب صاحب الكلمة والرسالة في انتفاضة القدس الذي قد يتجاوز الفصائل باتجاه تشكيل قيادة شابة تعمل على وضع سقف واقعي لمواجهة مخططات إسرائيل الاستيطانية والتهويدية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018