شريان القدس الاقتصادي غطرسة المستوطنين تغلق محلات باب الواد.. والتجار يشتكون

"ولا حد عمل إلنا إشي!" الجملة التي عبر من خلالها معظم تجار شارع الواد في البلدة القديمة بالقدس عن ردود أفعال كل المؤسسات والجهات الرسمية التي توجهوا إليها احتجاجا على قسوة المشهد الاقتصادي والأمني على سير حياتهم اليومية داخل أسوار البلدة القديمة.

شارع الواد أو "شارع الشهيد مهند الحلبي" كما يحلو للبعض تسميته يمثل أقصر وأسرع طرق البلدة القديمة في الوصول إلى الحرم القدسي الشريف، وهو الشريان الاقتصادي والديني للبلدة القديمة وأكثر شوارعها التي تعج بمحلات تجارية تبيع الأطعمة والحلويات الفلسطينية التقليدية، وتمثل محلاته التجارية ما مجموعه 145 محلا تجاريا من 1400 محل تجاري داخل أسواق البلدة القديمة في القدس؛ لكن قوات الاحتلال الإسرائيلية ومستوطنيها لم يبقوا له أي هامش من الحركة التجارية خاصة بعد أن نفذ الشهيد مهند الحلبي عملية الطعن التي قتل خلالها مستوطنان، وبعدها شددت قوات الاحتلال الاجراءات التعسفية وأغلقت جميع الأبواب في وجه الحركة التجارية في شارع الواد، وأجبرت التجار على الرضوخ لرغبة المستوطنين بالتجمهر مكان الحادثة، أي أمام محلاتهم التجارية، لمدة 10 أيام بحجة أخذ واجب عزاء المستوطنين الذين قتلوا خلال الحادث.

ولعل إجبار بلدية الاحتلال أصحاب المحلات التجارية في شارع الواد على دفع الغرامات المالية ليس بالجديد، فهناك "ضريبة الأملاك" التي يدفعها تجار البلدة القديمة سنويا  لبلدية الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى فرض قانون جديد يقضي بإجبار تجار شارع الواد على غرامة مالية سنوية بقيمة "750 شيقلا" كمخالفة لوضع يافطات باسم محلاتهم التجارية! ولم تكتفِ بلدية الاحتلال بالغرامات المالية السنوية، بل دشّنت خلال انتفاضة القدس اجراءات تعسفية أخرى تقضي بتسليم بعض تجار البلدة القديمة غرامات مالية عالية وصل بعضها إلى "6 آلاف شيقل" كمخالفة على وضع بسطات البضائع في الطريق، أو أبعد من بوابة المحل بأكثر من نصف متر.

وقال تجار شارع الواد إن حالة الركود الاقتصادي مهيمنة في الشارع منذ اندلاع انتفاضة القدس. يؤكد التاجر المقدسي وأمين سر جمعية التجار المقدسيين خالد الصاحب أن دخله يساوي صفرا منذ بدء الاحتلال تنفيذ إجراءاته التضييقية ضد التجار في شارع الواد، ويضيف: "ليس لدينا المال اللازم لدفع التزاماتنا السابقة، ولا لدفع الضرائب المفروضة علينا، ولا المال اللازم لشراء بضائع جديدة لمحلاتنا حتى نستمر في عملنا".

ويؤكد وديع الحلواني، الناطق الإعلامي باسم جمعية التجار المقدسيين، أن التجار يفتحون محلاتهم التجارية ليس بغرض البيع والشراء وإنما بغرض الصمود، ويقول: "لا نريد أن نغلق محلاتنا التجارية، فيستغل الجيش الإسرائيلي ذلك ليفرض علينا إغلاقها ويستولي عليها كما حصل في البلدة القديمة في الخليل بعد مجزرة الحرم الإبراهيمي".

من جانبه، قال التاجر المقدسي (م.أ) إن من يحالفه الحظ من التجار هو من يعود لمنزله سالما دون أذى، "أصبحنا نفكر عشرات المرات قبل وضع أيدينا في جيوبنا أثناء التوجه للعمل، فقد تعتبرها الشرطة محاولة لتنفيذ عملية طعن".

وتميز المشهد المقدسي حاليا الأعداد الكبيرة لشرطة وجيش الاحتلال الإسرائيلي، التي تفوق أعداد المتسوقين في شارع الواد. ولا يخلو الأمر من عمليات التحريض ضد العرب من قبل الإسرائيليين، حيث أصبح ملحوظا مرور السياح الأجانب بسرعة كبيرة جدا في ظل وقتهم المحدود في القدس، وهذه ضربة كبيرة للتجارة المقدسية، خاصة أن العديد من المحال التجارية معتمدة بشكل أساسي على السياح الأجانب في عمليات البيع والشراء.

وقد قدمت جمعية التجار المقدسيين عدة طلبات للمساعدة في تجاوز الأزمة الحالية التي يمرون بها وخاصة داخل أسوار البلدة القديمة في شارع الواد إلى عدة شخصيات ومؤسسات رسمية فلسطينية وعربية، فقدموا طلباتهم إلى محافظ القدس عدنان الحسيني، ورئيس الغرفة التجارية والصناعية في القدس فادي الهدمي، ورئيس الوزراء الفلسطيني رامي الحمد الله، وكان آخرها إلى جلالة الملك الأردني عبد الله الثاني الذي بعثوا له برسالة موقعة باسم جمعية التجار المقدسيين طالبوا خلالها بتقديم الدعم السياسي الكامل لقضية القدس والمقدسات في كل المحافل العربية والدولية، وتكليف لجنة قانونية من عدة محامين مختصين للدفاع عن المواطنين في كل ما يتعلق بالقضايا القانونية التي تواجههم، خاصة بعد أن هدد رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو بمعاقبة تجار شارع الواد بذريعة عدم تقديمهم المساعدة للمستوطنين المصابين خلال عملية الطعن التي نفذها الشهيد مهند الحلبي، إضافة إلى طلبهم لمساعدة مادية فورية تمكن التجار من سد العجز الذي حصل بسبب تصاعد وتيرة الأحداث الأخيرة في مدينة القدس.

وقال مدير عام الغرفة التجارية الصناعية في القدس فادي الهدمي: "إن الخسائر الاقتصادية لتجار البلدة القديمة منذ بداية شهر تشرين الأول الماضي تقدر بملايين الشواقل".

وأردف الهدمي أن الغرفة تتخذ آليات تسهم في دعم ثبات التاجر المقدسي وتسعى إلى تخفيف تأثير الوضع الأمني والاقتصادي عليه، سواء كان ذلك آنيا أو من خلال خطط إستراتيجية بعيدة المدى".

وفي مقابل ذلك، يؤكد تجار البلدة القديمة، وخاصة تجار شارع الواد على عدم تقديم أي جهة رسمية لأي مظهر من مظاهر التعويض المادي  في هذه المحنة، خاصة في ظل التهديدات الإسرائيلية بمعاقبتهم وفرض الغرامات المالية عليهم ورفع عدد الضرائب التي يدفعونها لبلدية الاحتلال.

ولعل المؤشرات اليومية تدلل على مدى الصعوبات التي يواجهها التجار المقدسيون في الوصول إلى محلاتهم التجارية داخل أسوار البلدة القديمة، وخاصة شعورهم بأن أرواحهم مهددة، وكون معدل دخلهم المادي يساوي صفرا منذ بدء الأحداث، وهو غير كاف لتوفير قوت أولادهم اليومي، وكلما تأخرت المساعدات التي يتوجب تقديمها للتجار المقدسيين، تتفاقم النتيجة التي من الممكن أن تترتب على هذا الوضع السيئ، الذي من الممكن أن تكون نتيجته في أسوأ الأحوال أن يترك التجار محلاتهم التجارية في شارع الواد ليتم إغلاقه وتحقيق هدف الاحتلال في نهاية المطاف.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018