سمك سام في بحر غزة

 ما زال بحر قطاع غزة يقسو على الصيادين الباحثين عن لقمة العيش في مياهه، تارة بقِلة أسماكه، وتارة أخرى بخطورة بعضها.

فقد شهد العام المنصرم، وفود أنواع جديدة من الأسماك السامة، لم تكن معروفة من قبل، من بينها "سمكة عقرب النيل"، أو كما تسمى محلية سمكة "الحرباء"، وهي سمكة صغيرة الحجم، لها أشواك وزعانف مدببة وحادة، تحوي بداخلها على كمية من السم، يسارع بالنفاذ لجسم الإنسان فور لدغه.

والسمكة المذكورة انتشرت بكثرة في مياه البحر، وتصاحب أسراب اسماك السردين وغيرها، ما يوقعها في شباك الصيادين، الذين قد لا يتنبهون لوجودها، فتباغتهم لدغاتها المؤلمة.

 

سمكة دخيلة

يقول الصياد مصطفى النجار، ويعمل في مهنة الصيد منذ أكثر من عقد ونصف العقد من الزمن: إن هذه السمكة السامة لم تكن معروفة من قبل، وبدأت بالظهور حديثًا، وتزايد وجودها في مياه البحر الأبيض المتوسط، ولا تكاد تخلو شبكة صياد من وجود العديد منها.

وأكد أن لدغاتها المؤلمة أصابت معظم الصيادين، لذلك ثمة حرص شديد من خطرها، فما من صياد يخرج شبكته، حتى يتفحص بعينيه الأسماك العالقة فيها، للبحث عن سمكة العقرب، والتعامل معها بحذر، لاتقاء شرها، مبينًا أن معظم الصيادين يعيدونها للمياه بعد قتلها، فهي سمكة صغيرة، أذاها أكثر من نفعها.

وبين أنه بات يستخدم كفة قماش خاصة، يرتديها في يده حين يبدأ بتخليص الأسماك من الشبكة، خاصة أن الفترة الماضية شهدت تواجد السرطانات البحرية، والأخيرة لديها مخالب قوية، تسبب عضاتها المؤذية ألمًا شديدًا.

وأكد النجار أن ثمة اختلافًا في الرأي ما بين الصيادين حول ما هي السمكة، فالبعض خاصة كبار السن يسمونها "سمكة النيل"، ويقولون إنها كانت تعيش في المياه العذبة في نهر النيل، ومن ثم استوطنت في البحر المتوسط، وآخرون يؤكدون أنها سمكة بيئتها الأصلية البحر الأحمر، وهي من الأسماك التي تعيش في الشعاب المرجانية، ونتيجة التغيرات المناخية، اجتازت قناة السويس، واستوطنت حديثًا البحر المتوسط، وهو شخصياً يرجح الرأي الأخير.

 

لدغات مؤلمة

يقول الصياد الشاب أحمد عاشور إنه حين شاهد السمكة بنية اللون لأول مرة عالقة في شبكته، سارع بالتقاطها، دون أن يعلم أنها سامة، فاخترقت شوكتها إصبع يده، ونفثت سمها المؤلم داخل دمه، حينها شعر بآلام حادة.

ولفت إلى أن أحد الصيادين من كبار السن كان بجانبه، وحين شاهد السمكة سرعان ما قال له عبارة فهمها "نزول الدم يزيل الهم"، فسارع عاشور بالضغط بقوة على مكان الإصابة، حتى نزلت قطرات من الدم، فساهم ذلك في تخفيف الألم لكنه لم ينهه.

وبين عاشور أن الإصابة بلدغة سمكة العقرب مؤلمة وقاسية، لذلك فهو لا يتوانى عن تحذير رفاقه وزملاء المهنة منها، وبات يصطحب معه مقصًّا صغيرًا في جيبه، كلما وجد واحدة منها عالقة في شبكته، يقص زعنفتها السامة.

وأوضح عاشور أن سم هذه السمكة لا يتسبب في قتل المصاب، لكنه يحدث آلامًا شديدة في مكان الإصابة.

وإلى جانب سمكة العقرب، انتشر في الآونة الأخيرة الحديث عن سمكة أخرى وصلت شواطئ البحر المتوسط قادمة من البحر الأحمر وتسمى سمكة الأرنب، وهي تحوي كميات عالية من السموم، وقد تسبب الوفاة لمن يتناولها، وقد حظرتها وزارة الزراعة والثروة السمكية في مصر، ومنعت الصيادين من صيدها أو ترويجها وبيعها في الأسواق، لكنها لم تشاهد بكميات كبيرة في شواطئ قطاع غزة.

 

مخاطر وصعوبات

يقول إبراهيم أبو ريالة، عضو نقابة الصيادين في قطاع غزة: "إن ثمة مخاطر وصعابًا كبيرة يتعرض لها الصيادون خلال عملهم، من بينها الأسماك السامة، وذات الأشواك المؤلمة، مثل سمكة العقرب، والقرموط، والقراص، وغيرها".

وأشار إلى أن الصيادين باتوا يمتلكون خبرة في التعامل مع هذه الأسماك، ويجيدون تخليصها من الشباك، لكن هذا لا يمنع نسبة الإصابة بلدغاتها بشكل كامل.

ونوه أبو ريالة إلى أن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم وجود حل سحري لتجنب صيد تلك الأسماك، فهي غالبًا ما تسير ضمن أسراب السردين، وتقع في الشباك معها، وقد لا يراها الصيادون.

وفيما يخص مخاطر تناولها، استبعد أبو ريالة أن تشكل تلك الأسماك خطرًا على المواطنين في حال تناولها، فسمومها تتواجد في شوكة أو اثنتين، ومن المؤكد أنه سيتم قص هذه الأشواك خلال عملية التنظيف، وعلى الأغلب مثل هذه الأسماك صغيرة الحجم، يلقيها الصيادون، ولا يضعونها مع أسماكهم المعدة للبيع.

ولم يستبعد أبو ريالة أن تسهم التغيرات المناخية في جلب أنواع جديدة من الأسماك إلى شواطئ قطاع غزة، قد يكون بعضها سامًّا، ويطالب الصيادين بتفحص أي نوع جديد من الأسماك يقع في شباكهم، وفي حال ثبت سموميته إبلاغ النقابة للتعميم على باقي الصيادين.

وشواطئ قطاع غزة يبلغ طولها نحو 42 كيلو مترًا، يعمل فيها نحو 3000 صياد مسجلين في النقابة، عدا الهواة وغير المسجلين، ولا تسمح سلطات الاحتلال للصيادين بالوصول إلى مسافة تزيد على ستة أميال بحرية.

وفي الغالب يتركز الصيد في بحر قطاع غزة على مواسم هجرة الأسماك، فالمياه التي تتعرض للصيد الجائر نفذت منها الأسماك المستوطنة، وبات الصيد يتركز على المهاجرة فقط، التي تصل في فصلي الخريف والربيع من كل عام.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018