"خطر الموت" يهدد عرابة

 في منطقة "بئر المي" القريبة من بلدة عرابة جنوب مدينة جنين، و"المزروعة" بحقل ألغام من قبل الجيش الأردني عام 1965؛ خسرت البلدة عددًا من أبنائها، وأصيب آخرون بإعاقات متعددة، وما زالت السلطة الوطنية تبذل جهودًا لتنظيف هذه المنطقة وغيرها من حقول الألغام.

"الحال" تابعت حقل ألغام عرابة، والتقت جهات وأفرادًا يهمهم هذا الملف، الذي تبذل جهود لتنظيفه، وثمة وعود بإغلاق هذا الملف نهاية هذا العام.

مدير إدارة العمليات بالمركز الفلسطيني للألغام التابع لوزارة الداخلية المقدم عيسى غنيمات أشار في حديث لـ"الحال" إلى أن الأردن سلمت السلطة الفلسطينية بعد مطالبتها خرائط لسبعة حقول ألغام من أصل 16 حقلا وأن حقل ألغام عرابة من ضمن الحقول التي لم تسلم الأردن خريطة له توضح طبيعة الألغام الموجودة فيه وعددها.

وأوضح أن لا علم لدى المركز الفلسطيني للألغام إذا كانت إسرائيل تملك خرائط لتلك الحقول، مؤكدا أن الاحتلال دائما ينفي أي صلة له بتلك الحقول.

وقال إن الاحتلال الإسرائيلي عمل على إزالة الألغام من حقل عرابة وغيره من الحقول في الضفة الغربية أكثر من مرة بآلية غير مهنية، فقد اقتصر تنظيفها على إزالة الألغام الظاهرة حتى لا يستطيع الفلسطينيون استخدامها" ضده على ما يبدو.

وأضاف: ادعت إسرائيل أن الحقول تم تنظيفها من الألغام ومنها حقل النبي إلياس في قلقيلية الذي تبلغ مساحته 65 دونما ويحتوي على 1900 لغم حسب السلطات الأردنية، حيث نصحت إسرائيل السلطة الفلسطينية بعدم بذل جهد بتنظيفه كونه خاليًا من الألغام لكن بعد بدء المركز الفلسطيني بعمليات التنظيف فيه وجد أكثر من 700 لغم حتى إعداد هذا التقرير.

وفيما يتعلق بموقع الألغام في حقل عرابة، أوضح أنه حسب المعلومات التي حصل عليها المركز الفلسطيني من شهادات الأهالي والسكان في المنطقة فإنه يحتوي على ألغام ضد الأفراد وأخرى ضد الدبابات.

ونوه إلى أن عدد ضحايا الألغام والمخلفات الحربية في فلسطين وفقا لإحصائيات "اليونيسيف" بلغت 1000 ضحية بين جريح وشهيد منذ عام 1948، في حين وثّق المركز الفلسطيني 350 حالة من تلك الضحايا حتى اللحظة نتيجة عدد العاملين القليل بالمركز الذي تم تأسيسه عام 2012.

وأشار إلى أن فلسطين وقّعَت على المعاهدة الدولية لمنع انتشار القنابل العنقودية والمخالفات الحربية، لكنها ما زالت مراقبا في اتفاقية حظر الألغام المضادة للأفراد "اتفاقية أوتاوا" الدولية، فيما الأردن عضو في الاتفاقية، وإسرائيل غير منضمة.

ولم يخف غنيمات أنه من الناحية القانونية فإن تنظيف حقول الألغام في الضفة الغربية ليس مسؤولية الفلسطينيين وإنما مسؤولية الاحتلال الإسرائيلي والأردنيين، مردفا: "لكن في العادة نعمل على إزالة تلك الألغام باعتبارها مشروعًا وطنيًّا، عبر دعم من مشروع إزالة الألغام العالمي الذي خصص لفلسطين ميزانية موزعة على 5 سنوات لإنهاء البرنامج".

 

مواطنون متضررون

لم يكن ربيع عام 1979 فصلاً عابرًا في حياة المواطن نبيل طالب (أبو ميزر) من بلدة عرابة جنوب جنين، بل حفر في ذاكرته حكاية لغم أرضي أفقده بصره ويده اليمنى. 

أبو ميزر (53 عاما) كان أول ضحايا انفجار لغم مضاد للأفراد أثناء بحثه عن الزعتر برفقة صديقه ماهر نمر دقة بمنطقة "بئر المي" القريبة من عرابة.

يقول أبو ميزر في حديث مع "الحال": "كنت وصديقي ماهر دقة، وكانت أعمارنا 15 عامًا وقتها، نبحث عن الشومر والزعتر في منطقة بئر المي، وجدنا قطعة حديدية وحملناها فانفجرت بنا، فقدْتُ بصري وبُترت يدي اليمنى، وصديقي ماهر أصيب بشلل بيده ولم يكن توجد وقتها إشارات تحذيرية بوجود ألغام في المنطقة".

بعد إصابة أبو ميزر وصديقه، وضعت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، سياجًا حول حقل الألغام وإشارات تحذيرية كتب عليها "خطر! منطقة ملغومة.. ممنوع السير في الطرق الترابية".

الإصابة لم تمنع أبو ميزر من إكمال حياته، فهو متزوج وأب لابنة واحدة، إلا أن فقدان البصر جعله أسيرًا للعمل بمهن محدودة بعد أن نجح بمساعدة وزارة الصحة الفلسطينية بتركيب يد صناعية "تجميلية" علّها تعوضه عن يده اليمنى التي بترت وفق قوله.  

وتختزل قصة أبو ميزر مآسي 5 ضحايا آخرين؛ فمنهم من عاد لأهله عاجزًا من دون أطراف جراء تعرضه لانفجار لغم نام لعقود تحت الأرض ليباغت بريئًا يمر عليه، ومنهم من فقد حياته، وهم ثلاثة بينهم شقيقان من قرية واد دعوق المواجهة لحقل ألغام عرابة، فقدا حياتهما أثناء رعيهما للأغنام بالقرب من حقل الألغام التي لم يتم نزعها بالكامل حتى اليوم. 

 

وعود دون تنفيذ

يوضح نهاد عبد العزيز أحد أصحاب قطعة الأرض "الملغومة" التي يحيطها حقل للزيتون وأحراش من شجر الصنوبر، أنه لم يستطع هو وأشقاؤه وجيرانه في الأرض استغلال خيراتها منذ عام 1967، وقدم منذ تلك الفترة طلبات كثيرة لإزالة تلك الألغام لعدة جهات منها محافظة جنين وبلديتها وبلدية عرابة، ولم يتلق إلا وعودا دون تنفيذ.

ويشير إلى أن الاحتلال الإسرائيلي نفذ عدة عمليات تنظيف للأرض من الألغام، إلا أنها ما زالت غير آمنة ولا يجرؤ أحد على الدخول إليها واستخدامها، منوهًا إلى سقوط عدة ضحايا بين شهيد وجريح من المناطق المحيطة بالأرض نتيجة انفجار أحد الألغام.  

ويضيف عبد العزيز لـ"الحال" أن جمعية فلسطينية كانت ترافقها شركة أجنبية قدِمت للمنطقة قبل سنتين ووعدوا بإزالة الألغام من الأرض، مردفا "كل الوعود التي تلقيناها قديمة وبايتة". وناشد الجهات المختصة القيام بدورها وتنظيف الأرض من الألغام حتى يتم استغلالها في الزراعة.

من جهته، يقول المهندس أحمد عبيد من بلدية عرابة لـ"الحال" إن قطعة الأرض الملغومة قريبة من بئر مياه ومعسكر "دوتان" الإسرائيلي الذي تم إخلاؤه في أيلول عام 2005، بعد أن أقامه الاحتلال في عام 1967.

ويؤكد عبيد ما قاله المواطن عبد العزيز، بأن الاحتلال أجرى عمليات تنظيف للألغام من المنطقة، إلا أنه لم يصل أي كتاب لأصحاب الأرض بأنها آمنة، وأن الإشارات التحذيرية ما زالت موجودة، مشيرًا إلى أن الألغام أدت لوفاة شاب وبتر قدم سيدة، وإصابة شابين بإعاقات أحدهما فقد بصره وقطعت يده نتيجة الألغام، في إشارة للمواطن أبو ميزر.

ويحمل عبيد الاحتلال الإسرائيلي مسؤولية بقاء الألغام في حقل ألغام عرابة حتى اليوم وعدم إزالتها. 

 

حلٌ بعد شهر

من جهته، يوضح غنيمات لـ"الحال" أن حقل ألغام عرابة تبلغ مساحته 10 دونمات، وقد أقامه الجيش الأردني عام 1965 ويقع تحت المسؤولية الإسرائيلية كونه موجودًا في المنطقة المصنفة "ج" وفقا لاتفاق أوسلو.

وأكد غنيمات أن المركز بالتعاون مع منظمة "هلوترست" العالمية التي تعمل على إزالة الألغام بالضفة الغربية وهي منظمة عالمية ومقرها بريطانية، ستبدأ في شهر كانون الأول المقبل، العمل في حقل ألغام عرابة لتنظيفه، إلا إذا منعت ظروف الطقس استمرار العمل به كون الأرض طينية.

وأشار غنيمات إلى أن الأولوية لتنظيف حقل عرابة بعد الانتهاء من تنظيف حقلي حوسان في بيت لحم والنبي إلياس بمحافظة قلقيلية، مشيرا إلى اكتمال تنظيف الحقل الأخير خلال شهر تشرين الثاني الجاري.

وكشف أن 16 حقلاً للألغام موجودة في الضفة الغربية ومساحتها 620 دونمًا، زرعها الجيش الأردني، وموزعة من الخليل في الجنوب حتى جنين في الشمال، منوهًا إلى عدم وجود حقول ألغام إسرائيلية في الضفة الغربية باستثناء مناطق التدريبات العسكرية الإسرائيلية في الأغوار والمخلفات الحربية التي تنتج عنها، وحدود الألغام في منطقة الحدود الشرقية مع الأردن.

ونوه إلى أن الألغام الإسرائيلية في الأغوار موزعة بين الحدود الشرقية مع الأردن والحدود الثانية باتجاه أريحا، موضحا أن "التقديرات تشير لوجود ما يقارب مليون ونصف المليون لغم أرضي في تلك المنطقة". 

 

خطأ أوسلو

من جهته، يوضح مدير مؤسسة الحق الفلسطينية لحقوق الإنسان شعوان جبارين لـ"الحال" أن من المآخذ تجاه اتفاق أوسلو أن السلطة الفلسطينية لم تأخذ خرائط كاملة بالألغام الموجودة بالضفة الغربية ولم تشر إليها حتى، مؤكدا أن الواجب على دولة الاحتلال أن تقدم خرائط لكل لغم موجود في الأراضي الفلسطينية كما حدث مع لبنان التي حصلت على خرائط مفصلة عن الألغام.

وقال: "هذه أرض فلسطينية ومن حق الفلسطينيين الحصول على خرائط بالألغام، ولكن هناك مسؤولية على دولة الاحتلال بتنظيف تلك الألغام".

وأضاف جبارين أن مراقب الدولة العبرية في تقريره عام 2002 أشار إلى أن الألغام ضد الأفراد مزروعة حول بعض المستوطنات وآبار المياه ومعسكرات تدريب جيش الاحتلال وأن كثيرًا من حقول الألغام غير معلمة ولا توجد عليها إشارات تحذيرية.

وتنص اتفاقية "أتاوا" على حظر الألغام المضادة للأفراد وكافة المواد القابلة للانفجار، حظرا قطعيا، وتمنع إنتاج وتخزين وزراعة الألغام وتطالب بتنظيف المزروعة منها، وفق جبارين.

وأوضح أن إسرائيل ليست عضوا بالاتفاقية، وإذا انضمت إليها، فستكون لأسباب اقتصادية محضة لطلب المساعدة بتنظيف الألغام كون زراعة اللغم تكلف نصف دولار ولكن تنظيفه يكلف ما يقارب ألفي دولار.

ونوه إلى أن إسرائيل تحاول تنظيف منطقة الأغوار المليئة بحقول الألغام بشكل كبير ضد المدرعات أو ضد الأفراد، لأسباب اقتصادية ومصالح خاصة، لا لأسباب إنسانية لتنظيف المنطقة حتى تستثمرها في الزراعة.

ويؤكد أن "سبب حظر الألغام ضد الأفراد كونه سلاحا أعمى يمكن أن ينفجر بطفل أو أي إنسان عادي، وهو سلاح متخلف قديم غير موجه للجنود، بالإضافة إلى أن المياه والعوامل الطبيعية تؤدي لانزلاق الألغام لمناطق أخرى تشكل خطرًا على السكان وبالتالي هو عمل عشوائي محظور بموجب اتفاقية جنيف، وسلاح أعمى لا يتحكم فيه الشخص ويمكن أن ينفجر بأي شخص".

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018