حاجز الجلمة.. موت بلا ثمن رغم توفر البدائل

 أنظمة رصد متقدم، وتحصين معقد، تعتمد كاميرات مراقبة عن بعد، مبذورة في الطرق السهلية، المؤدية إلى حاجز الجلمة العسكري، المقام على الشريط الحدودي الذي يفرضه الاحتلال على أراضي شمال محافظة جنين؛ لفصلها عن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48.

إمكانات الدفاع والهجوم لحاجز الجلمة، والمساحات المحيطة به، المعروفة بعريها من أشجار أو بنايات ساترة؛ كلها ظروف تتيح للجنود المتمركزين في أعالي أبراج المراقبة والقنص، أن يشاهدوا أدق تحركات المتظاهرين أمام الحاجز، ثم يبعثون، مع الرصاص عن بعد، السكونَ في الأجساد، دون ما يستدعي نزولَهم من الأبراج، وتكليفَ أنفسهم أعباء المواجهة.

من هنا تتولد جدليات وأطروحات وتساؤلات تختلف حولها الآراء: حاجز الجلمة نقطة الاحتكاك الوحيدة مع الاحتلال في جنين. يبدو أن لا بدائل لشباب المحافظة عن الهجوم عليه للمشاركة فعلاً في الهبة الشعبية المشتعلة. في حين نخسر الشباب المنتفض على الجلمة بلا خسارة يتكلفها الاحتلال. فهل يجلس الشباب في بيوتهم بلا حراك؟ أم هل يتحركون نحو الحاجز ويسقطون بلا ثمن؟ 

تدعو عضو إقليم جنين في حركة فتح، وفاء زكارنة، الشبان الذين يتخذون المواجهة المباشرة أسلوبا للمقاومة، ألا يذهبوا إلى الحاجز، ويبقوا في مناطقهم للتصدي للاحتلال، بما سمتها "المقاومة السلمية الشعبية"، عندما يقتحم الأحياء السكنية.

وقالت: "ذهاب الشباب، وتحديداً الأطفال دون سن الـ17 عاما، إلى حاجز الجلمة، هو هدية بدم بارد لقتلهم، وسوف يحاسب التاريخ أولئك الذين يحرضونهم على الاحتشاد إلى تلك النقطة العسكرية".

ودعت زكارنة، إلى خيارات أخرى للمقاومة، تكون بدائلَ عن المقاومة بالصدام المباشر مع الاحتلال على الجلمة، فحثت الشباب على تحقيق التفوق بالتحصيل العلمي؛ "لتمثيل قضية فلسطين وفضح الاحتلال، بجدارة، في الخارج".

وشددت زكارنة على ضرورة مقاطعة المنتجات الإسرائيلية كبديل لذهاب الأطفال والشباب إلى حاجز الجلمة، مؤكدة أن "مقاطعة المنتجات الإسرائيلية توجع الاحتلال، لذلك قام، مؤخرًا، بتشكيل وزارة جديدة، للتعامل مع المقاطعة العالمية لبضائعه".

وأردفت: "لا يعقل أن أرشق الاحتلال بزجاجات "التبوزينا"، في إشارة منها إلى استهلاك الفلسطينيين لـ "70% من المنتجات الإسرائيلية".

من منظوره، لا يرى أستاذ العلوم السياسية في الجامعة العربية الأمريكية، هادي الشيب، امكانية تحقق فائدة للقضية الفلسطينية، باتخاذ المقاومة المسلحة نهجاً لإنهاء الاحتلال، لا على حاجز الجلمة في جنين، ولا في كل فلسطين.

"إنما الصدام العنيف مع الاحتلال في هذه المرحلة، هو خسارة لأهم عنصر بناء في فلسطين، وهي فئة الشباب" كما قال.

وأوضح الشيب، أن "عدم اكتراث" الاحتلال بأي عقوبات دولية، قد بدا جليا مؤخراً؛ خصوصاً عندما "سرب الاحتلال فيديو التحقيق الوحشي مع الطفل أحمد مناصرة".

لكنه تابع: "أنا متمسك بخيار المقاومة عبر فضح انتهاكات الاحتلال بكافة اللغات للوصول إلى جميع شعوب العالم، وهذا لا ينفي حقيقة أننا لا نتأمل من القانون الدولي إنهاء احتلالنا، لأن الدول الاستعمارية، هي من وضعت القانون الدولي، ومن صنعت لنا هذا الاحتلال".

واستكمل الشيب طرحه، بالمقاربة: "إذًا، نريد أن نفضح الاحتلال الإسرائيلي عند شعوب العالم وليس حكوماتها، ولا استهانة بإرادات الشعوب التي أنهت حكومات بأكملها".

وضرب "مثلاً" من التاريخ: "من عام 1881 حتى 1917 كانت مقاومة الفلسطينيين سلمية من خلال تفنيد الادعاء الإسرائيلي بثقافة امتلاك البراهين لإثبات بطلان روايته أمام العالم، فلم يتمكن اليهود من السيطرة على 3% من مساحة فلسطين رغم الدعم الدولي لهم". وجه الشيب، من خلال هذا "المثل"، رسالة إلى شباب فلسطين بعدم جدوى المقاومة المسلحة وحضهم على التمسك بالمقاومة السلمية، فحسب.

واستند على ما سبق، لدعوة الإعلام المحلي في جنين لعدم "تحشيد" الناس ودفعهم إلى حاجز الجلمة.

من جانبه، قال الفنان الموسيقي، بلال ستيتي: "لكل إنسان الحق في التعبير عن طريقته في رفض الاحتلال، والشعب الذي لا يملك تعددية بأشكال المقاومة يكون ضعيفاً".

واختار الفنان ستيتي، تصنيف انعكاسات بعض أشكال المقاومة على قضية فلسطين: "الأغنية والثقافة، وسائل تعبير لا تحرر وطناً وحدها، وإن هدفها توحيد الوطن، فمن الوحدة يتم الانطلاق إلى مستويات التحرر الأخرى". ثم استدرك: "الفن ليس بديلاً عن رمي الحجارة ولا بقية أشكال المواجهة، إن هو إلا مكمل لها".

ورفض ستيتي، المفهوم الذي جاء على حد تعبير بعض الشخصيات: أن الإعلام المحلي "يحرض" الشباب  لـ"التهافت" على حاجز الجلمة: "عذراً إن مصطلح تحريض يليق باستخدام نتنياهو، فإعلامنا لا يحرض شبابنا، بل ينقل إليهم بمهنية، الحقيقة البشعة لأفعال الاحتلال، وهذه الحقيقة هي التي تدفعهم إلى الهبوب بوجهه".

ثم أوضح أنه مع اعتبار خصوصية لحاجز الجلمة؛ كونه نقطة التقاء اقتصادي، "فالواقع لا ينكر أن العديد من المشاريع في جنين تعتمد في استمرارها على مواصلة الجلمة لتمرير أهلنا في الداخل من وإلى جنين".

وأردف: "أنا ضد ذهاب شاب أعزل أو يحمل سكيناً لن يؤثر بحصونهم، إلى حاجز الجلمة".

لكنه تابَع أنه يتفهم خيارات الذين يذهبون للمواجهة على الحاجز، وألقى بالملامة كلها على "الاحتلال الذي يدفعهم لردود الفعل على أفعاله الإجرامية، وهم ليسوا منتحرين ولا طلبة موت بل طلبة حياة".

ودعا ستيتي، النخب السياسية والاجتماعية وغيرها، في جنين، إلى توحيد جهودها في دعم أي عمل يخدم القضية الفلسطينية ويملأ الشباب بالطاقات الإيجابية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018