"ثمنًا للشمس".. فيلم تحكي فيه محررات معاناتهن في الأسر

 

من عتمة زنازين المحتل الاسرائيلي إلى قاعات السينما وبيوت العرض، انتقلت أكثر من خمس عشرة أسيرة فلسطينية محررة، بعد ان قررن أن يصورن فيلما يوثق تجربة خاصة عشنها، وما زالت تعيشها كل واحدة منهن، تحت عنوان "ثمنا للشمس"، المأخوذ عن كتاب الأسيرة المحررة عائشة عودة. وقد التقين في غرف السجون، وتلاقت أفكارهن أكثر أثناء تسجيلهن لمقابلات الفيلم.

تدربن على التصوير والمونتاج، بعد ان اقتصرت حياتهن على الصمود أمام قسوة الاحتلال في غرف التحقيق، وأمام ما يمارسه محققوه من ضغط نفسي عليهن.

استغرق إنتاج هذا الفيلم أكثر من أربعة أشهر تدربن بها جيدا فشكلن طواقم كاملة تبادلن فيها الأدوار بين المصورة ومهندسة الصوت والمخرجة، فأنتجن عملاً متكاملاً وانطلق ابداعهن بسرد القصة وتسلسلها.

تفاوتت أعمارهن وأوضاعهن الصحية والاجتماعية، إلا أن رغبة شابة مفعمة بالحيوية خرجت أثناء تنفيذ الفيلم؛ ابتسامات وضحكات في الكواليس، وانضباط بالمواعيد، وانضباط في الكلمة التي تقال امام الكاميرا، فكن خلف الكاميرات وفي منازلهن سيدات أنيقات وأمهات مملوءات بالحنان، فيما كانت الوقفة امام الكاميرا وقفة جنرالات يحترمن تجربتهن فأتقنّ روايتها، واستجمعن قواهن وعاطفتهن تحت شعار "لم نندم".

"تجربة جميلة ولكنها غيض من فيض، فمهما تتحدث الأسيرة عن التجربة، لن تفيها حقها، وإن كانت الفائدة الكبيرة في توثيق الرواية ليعرف الجميع مدى غطرسة المحتل وجبروته. نحن حولنا هذا الظلم داخل السجون إلى قلاع صمود وتحدٍّ، ولكن في ثنايانا أنثى تعرضت لمواقف صعبة وقاسية، قانونهم داخل الأسر جائر والرغبة الكبرى لديهم كانت تكسير عزيمتنا وإفقادنا الأمل، فواجهنا ذلك بأن حولنا فترة الحكم ببرامج ودورات حتى نستفيد من الوقت قدر المستطاع"، تقول فائزة فودة، وهي أسيرة قضت في الأسر ست سنوات ومن القائمات على الفيلم.

وتضيف فودة: "طوال عمري وأنا أحب الفن والأعمال الفنية. لا أحب الظهور على الكاميرا، ولكني أحب أعمال الإبداع والفن".

تفاوتت ردود أفعال الأسيرات داخل قاعة العرض التقييمية للفيلم؛ فمنهن من بكت، ومنهن من ابتسمت، إذ روت الأسيرات أصعب اللحظات التي مررن بها، وتحدثن عن التحقيق القاسي القائم على الضغط النفسي.

وفاضت مشاعرهن عند حديثهن عمن فقدنهم داخل الأسر، وظهرت المشاعر عند الحديث عن شقيق الأسيرة المحررة نادية الخياط، فرغم مرور أعوام طويلة، ما زالت ردة فعلها وانهمار دموعها كما هي منذ أكثر من عشرين عاما، وقد تعاطف الكل معها وكأنها تروي ما يخصهن جميعا في تلك اللحظة.

"لا أستطيع ألا أبكي، هذه مرحلة من حياتي، صحيح أني قضيت فترة في الأسر وأبعدت إلى الأردن، إلا أن لحظة لقائي بأبي بعد استشهاد أخي في لبنان لحظة لا أستطيع نسيانها أبدا، قد يكون هذا الحدث الأكبر أثناء اعتقالي كما ظهر في الفيلم، إلا أنني أظن أن قصة أسرنا جميعا أكبر من ان تختزل في نصف ساعة"، تقول الأسيرة المحررة نادية الخياط.

دقائق مرت على الأسيرات تحدثن فيها عن أبرز ما مررن به، وتجمعت الفكرة في ثلاثين دقيقة لخصت رحلة نساء صمدن في وجه المحتل، فتحدثت إحداهن عن طفلها الذي لم يتعرف عليها بعد غياب، وتحدثت الأخرى عن الدورة الشهرية التي مرت عليها مرة ومرتين وعاقبها المحتل بعدم إعطائها ما تحتاج وحرمانها من الاستحمام، وتحدثت الثالثة عن فشل زواجها بعد أسرها.

أحداث مختلفة مرت بها كل واحدة من بطلات هذا الفيلم، إلا أنهن أجمعن في نهايته على أنهن أبين أن ينفصلن عن المجتمع الخارجي بعد تحررهن، الذي أيقَنّ أنه قادم لا محالة، فتحدثن بابتهاج كبير عن إنجازاتهن بعد التحرر، ليشكل فيلم "ثمنًا للشمس" درسا سيقرأه الفلسطينيون نساء ورجالا بأن الشمس لها ثمن وان الحرية رغبة قد يدفع المرء حياته ثمنا لها، ولكن رغبة بتلك الحياة لا غنى عنها.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018