المصمم محمد قاسم.. اللِّثام رمزية حق لا ينتهي

 

عند العودة في الزمن الى الوراء، ما قبل ثلاثين عاماً بالتحديد، لا يسعنا إلا أن نستذكر حنظلة الفلسطيني ذا الوجه الخفي، الطفل المدلل للرسام الكاريكاتيري الشهيد ناجي العلي، حنظلة، ذلك الطفل المقاوم، وتلك الشخصية التي توحد عليها كل أطياف الشعب الفلسطيني، تلك الشخصية التي عرفناها جميعاً ولم نعرف ملامحها قط. 

ها هو حنظلة اليوم يعود من جديد ولكن بشخصية الملثم الفلسطيني بزيه التراثي (القمباز كغطاء للجسد،  والكوفية الفلسطينية مع العقال كغطاء للرأس والوجه)، ذلك المقاوم البطل، الذي جاء ليوحد كل أطياف الشعب من جديد.

وكما كان لحنظلة أب ابتكره، فلملثمنا هذا أب أبدعه، أبٌ يدعى محمد قاسم، ذلك اللاجئ الفلسطيني الذي هُجرت عائلته قسراً من صفد المحتلة الى مخيم عين الحلوة في لبنان، فجاء لهذه الدنيا بعيداً عن وطنه، لاجئاً مشتتاً، ممنوعاً من رؤية شوارع فلسطين وتقبيل ترابها، فما كان منه الا أن يقول لنا هذا "اول اشي بعمله بس أزور فلسطين، بنزل عالشارع، بنام في الشارع".

محمد قاسم من مواليد قطر عام 1986، أنهى دراسته الثانوية فيها، ثم التحق بعد ذلك بجامعة الآداب والعلوم والتكنولوجيا في لبنان ليكمل دراسته الجامعية بعد أن وقع اختياره على اختصاص الادارة  والاقتصاد مع التصميم الجرافيكي كتخصص فرعي، وهنا بدأ يكتشف ميوله للتصميم والرسم والألوان. وعند التحاق محمد بالجامعة في لبنان، عاد ليسكن في مخيم عين الحلوة، حيث كانت عائلته عندما هجرت من فلسطين المحتلة، فعاش فيه مدة خمس سنوات كاملة، وعانى ما يعانيه اللاجئ الفلسطيني في لبنان  وحرمانه من أبسط حقوق الحياة، فتعمق لدى محمد شعوره بالوطن، فابتكر ذلك الملثم الذي يمثل كل شاب فلسطيني يعيش في فلسطين ويقاوم الاحتلال، ابتكرها لتمثل صمود الفلسطيني على ارضه وتضحياته، ولتكرس التاريخ الفلسطيني وتراثه.

وعند سؤال محمد عن كيفية اختيار هذه الشخصية الوطنية التي اصبحت مثلاً وبطلاً لكثير من الشباب الفلسطيني، على الرغم من بعده عن فلسطين وانعدام مقدرته على زيارتها، أجابنا: "إن لجوئي لا يعني أن أنسى وطني أو أبعد عنه، ولا يعني أن أقطع صلتي ببلدي ولا أعرف عنها". وأكد محمد أن علاقته بفلسطين ومعرفته بها بدأت تتشكل منذ صغره، فكان لأهله دور كبير في تثقيفه وطنياً وصقل إحساسه بأرضه رغم البعد عنها.

يقوم مبدأ عمل محمد على تصوير نفسه ملثماً ومرتدياً الزي الفلسطيني في استوديو خاص بمنزله،  ومن ثم يقوم بعمل تصميمات فنية يوصل بها عدة رسائل، جميعها وطنية بالمقام الأول، حيث إن الصورة الواحدة يُستغرق العمل بها من ثلاث إلى ثماني ساعات. وتميز قاسم بأعمال عدة، فبالإضافة للتصميم فه ويعمل في مجال الإخراج  وتصوير الفيديو، حيث قدم لقضية بلاده الكثير من التصميمات المتعددة، من أهمها معاناة المقدسيين، والاقصى، وتجسيد معاناة الأسرى في سجون الاحتلال، وجسد كذلك التراث الفلسطيني بتصميماته المختلفة، وكذلك صمود الفلسطينيين ونضالهم.

وبذلك، شغل قاسم جزءا كبيرا من مواقع التواصل الاجتماعي وتداول أبناء شعبنا تصميماته بشكل كبير، تحديداً في الهبة الجماهيرية التي انطلقت منذ بداية اكتوبر عام 2015، وشغل كذلك الإعلام العبري، فتعرض لنقد لاذع منهم، ووصفوه بأنه مخرب ومحرض إرهابي، وتناولوه في تقاريرهم على قنواتهم العبرية.

شارك محمد قاسم في عدة معارض من ضمنها معرض أقامته جامعة قطر، ومعرض في ماليزيا، وله مشاركة في معرض الأفلام السينمائية الذي يقام في الدوحة، بالإضافة أيضاً إلى تصميماته التي يتم نشرها في وكالات فلسطينية وعربية عديدة. 

وأكد قاسم أنه لا يرى نفسه مستقبلاً سوى بأنه شاب فلسطيني رسالته وصلت للعالم أجمع، رسالته التي يريد إيصالها بتصاميمه، وهي رسالة لاجئ فلسطيني بعيد عن أرضه، يحاول أن يقترب منها بالطريقة التي يعرف.

ووجه قاسم رسالة لكل شاب فلسطيني، مفادها التالي: أبدع وقدم كل ما تستطيع لبلدك، بطريقتك  وأسلوبك، لكي يصل للعالم، حتى لو كانت كلمة، قصيدة، أغنية، المهم ألا تقف مكتوف الأيدي، وخصص لبلدك ساعة من يومك، فلا بد لرسالتك أن تصل يوما ما.

 

*طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018