الإعلام الاجتماعي جبهة أخرى ضد الاحتلال.. نجح مرة وأخفق مرات

 

ساحة أخرى من ساحات المعركة لا تقل أهمية عن المواجهات الميدانية بل قد تعد المحفز لها وشرارة تأجيجها، خصوصًا أن ملايين المستخدمين يوميًّا يدخلون إلى موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك"، حيث يعد السواد الاعظم من مستخدميه جنودًا مدججين بلوحات تحكم الكترونية تقود دفة المعركة في كثير من الأحيان رغم العثرات التي تواجهها والأخطاء التي تقع فيها لكن لا أحد ينكر أهمية هذا النوع من المعارك ومحاولات الانتصار فيها، لا سيما في الحالة الفلسطينية.

 

صراع جديد

يجمع خبراء وأساتذة الاعلام على أن الحرب الإلكترونية عبر مواقع التواصل الاجتماعي ساحة لا يمكن تجاهل أهميتها أو الاستهانة بها. يقول الدكتور عماد محسن استاذ الاعلام بجامعة الأقصى: "إن معركة الانترنت لا تقل ضراوة عن مواجهات الميدان بين نشطاء الانترنت الفلسطينيين الذين يشكل الشباب أغلبيتهم بجهودهم الذاتية وبين جيش رقمي يجنده الاحتلال لهذه الحرب"، مضيفا: "شواء اتفقنا او اختلفنا على كيفية الاستخدام والأخطاء التي يقع فيها المستخدمون، لكن لا يمكن الاختلاف على انها معركة بمعنى الكلمة على المستويين المحلي والدولي في مواجهة الدعاية الاسرائيلية".

ويرى محسن هذا النوع من المواجهات شكلاً جديدًا للصراع الأمني والاعلامي خصوصًا محاولات الاحتلال مؤخرا تعقب الشباب على "فيسبوك" واعتقالهم بناءً على ما يكتبون او يتداولون على صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وحسب تعبيره، فإن الأمر مثير لجنون الاحتلال لأن هذه المواقع هي وسيلة لفضح جرائمه على مستوى العالم وأمام الرأي العام العالمي دون أن تكون له قدرة على الهيمنة او السيطرة على ما ينشر الا بمحاولات "الهاكرز" الذين يجندهم لإغلاق صفحات الشباب.

ويقول محسن: "إن نشطاء الاعلام البديل يحاولون الخروج من عباءة الرواية الاسرائيلية التي تصل الى العالم وتصديقها لغياب رواية الطرف الآخر "الفلسطيني"، لأنها لا تصل من خلال قنوات الاعلام التقليدي العالمية التي في الغالب يسيطر عليها اللوبي الصهيوني"، مضيفا: "اسرائيل اعتادت على مستوى العالم الظهور بصورة الضحية التي تتعرض لإرهاب الفلسطينيين عبر صور القتلى وضحايا العمليات دون اظهار النصف الآخر للصورة وهو اعتداءاتها وانتهاكاتها للأبرياء والعزل وهو ما يشعرها بالقلق والحرج أمام العالم مع محاولات نشطاء الاعلام البديل فضح هذه الممارسات".

ويؤكد محسن أننا في زمن المواطن الصحفي الذي يستطيع توثيق الجريمة بهاتفه الذكي وفضح الاحتلال على مستوى العالم عبر هذه الشاشة الصغيرة بكبسة زر واحدة مستشهدًا بالعديد من الحالات التي قتل فيها الجنود نساء بدم بارد مدعين أنهن حاولن طعن مستوطنين ثم اظهرت فيديوهات من كاميرات هواتف ذكية وثقت الجرائم عكس ذلك وهو ما بات يربك الاحتلال ويحرجه امام العالم كرواية "الطعن" للشهيد فادي علون قائلا: "كان هناك تبنٍّ لهذه الرواية خاصة مع بداية أحداث الهبة الشعبية من قبل البعض من أن ما جرى هو محاولة طعن فيما أن الوقائع أثبتت أن الشاب أعدم رميًا بالرصاص دون أي محاولة للطعن أو غيره".

 

ترسانة إعلامية إسرائيلية

ورغم مكامن القوة التي حاول النشطاء العمل عليها لفضح ممارسات الاحتلال، فإن المتابع لاستخدامات شبكات التواصل يلاحظ كم الانسياق وراء الرواية الاسرائيلية بسبب "العاطفة الوطنية" للنشطاء حسب ما يصفها الصحفي الخبير في الشأن الاسرائيلي سامي العجرمي.

ويستشهد العجرمي بكثير من القصص التي تداول فيها النشطاء فيديوهات اعدام بدم بارد لشبان ادعى الاحتلال أنهم حالوا تنفيذ عمليات طعن وانساق المستخدمون وراء الرواية الإسرائيلية بعاطفية مكبرين ومهللين للمحاولة!

ويقول: "هنالك رواية مغلوطة في كثير من الأحداث وللأسف الإعلام الفلسطيني التقليدي ونشطاء الاعلام البديل ينجرون وراءها وغالبا ما تكون مدعومة من أجهزة أمنية إسرائيلية"، مشيرا إلى أن الإعلام الإسرائيلي مسيس وتقف خلفه المؤسسة الأمنية التي تملي عليه ماذا يقول وكيف يقول ومتى يقول.

وتأكيدًا على إيلاء الاحتلال أهمية لدور هذه الشبكات، يشير العجرمي الى اسراع أجهزة المخابرات بإنشاء  قسم متخصص سمته وحدة (سايبر) لمراقبة ما ينشر على مواقع التواصل الاجتماعي باللغة العربية حيث جندت ما يقارب من 5000 حساب لإناث لتصيد الشباب، مؤكدا أن العديد من حسابات النشطاء الفلسطينيين تعرضت لـ"هاكر" اسرائيلي، فيما تعرض آخرون لضغوطات الاداريين في مواقع التواصل الاجتماعي وحذف العديد من منشوراتهم وتهديدات بغلق الصفحات؛ بذريعة أنها محرضة ضد الارهاب.

 

نجاح محلي

وبينما يسجل المراقبون بعض النجاحات للإعلام البديل مقارنة بترسانة الاعلام الاسرائيلي التقليدي والبديل، يرى آخرون ان الاعلام الاجتماعي نجح على المستوى المحلي لكنه فشل دوليًّا.

تقول الاعلامية سامية الزبيدي: "إن حرب الاعلام البديل نجحت على المستوى المحلي في الحشد للانتفاضة عبر الاستمرارية في التفاعل والنشر لكن خسرنا على المستوى الدولي ومخاطبة الرأي العام العالمي".

وتضيف: "سيطرت اللغة العاطفية أكثر على ما يتم تداوله بصورة تشحذنا نحن كفلسطينيين لكنها غير مقبولة انسانيًّا ويرفضها العالم كالتركيز على صور الدماء والأشلاء دون مراعاة لحرمة دمهم ومشاعر عوائلهم".

وتشير الزبيدي الى سيطرة الانفعال الوطني الذي كان باديًا منذ اللحظات الأولى لشرارة الهبة ما أدى الى فوضى وارتباك وأخطاء إما لناحية أعداد الجرحى والمصابين أو لنشر أسماء لمواطنين على أنهم شهداء وهم لم يستشهدوا أو نشر أسماء شهداء قبل إبلاغ ذويهم.

وترى الزبيدي أن تداول كثير من الفيديوهات التي تظهر امهات الشهداء وهن يزغردن وآباءهم يوزعون الحلوى يفيد على المستوى المحلي في تعزيز صمود الناس وتأكيد ثباتهم لكنها عالميا تفقدنا تعاطف الرأي العام كوننا نظهر وكأننا اعتدنا الموت ونزغرد ولا نبكي وهي أفعال مناقضة للطبيعة الانسانية".

 

وحدة إلكترونية

ورغم ما يقوم به الاعلام الجديد من دور في فضح الجرائم الإسرائيلية لكنه يظل في مستوى أقل من المطلوب خصوصًا أن جل الجهود المبذولة هي جهود ذاتية فردية تميل الى العاطفة الوطنية اكثر من تحري الدقة والمصداقية في نقل الاخبار.

يقول خبير الاعلام الاجتماعي محمد أبو القمبز: "إن المراقب لسلوك نشطاء الاعلام الاجتماعي يدرك كم كان الانفعال الوطني باديًا منذ شرارة الاحداث الأولى وما تبعه من فوضى وارتباك وأخطاء وانسياق وراء الرواية الاسرائيلية".

ويؤكد أبو القمبز أن لدى فلسطين جيشًا الكترونيًّا من الشباب بقدراته المختلفة لكنه بحاجة الى من يضبطها وينظم عملها ليعرف كيف يستغل مختلف وسائل وشبكات التواصل بالشكل الصحيح بناء على أسس علمية وليست عشوائية.

وفي ظل انشغال العالم عبر الاعلام التقليدي بقضايا اكثر سخونة كالوضعين اليمني والسوري، يرى أبو القمبز ان الفرصة أصبحت أقوى عبر الاعلام البديل للترويج للقضة الفلسطينية خصوصا ان الاحتلال لديه أساليبه في الترويج لرواياته بمختلف لغات العالم في حين أن التغريدات الفلسطينية المكتوبة او المصورة باللغة الانجليزية قليلة جداً ما يضعف الصورة المنقولة للعالم الخارجي.

ويرى ابو القمبز أن توجه النشطاء نحو نشر الخبر العاجل دون التأكد من دقته وغالبًا بلغة واحدة وهي العربية هو مضيعة للجهد الذي يجب ان يستغل بأفضل طرق ممكنة كتشكيل مجموعات شبابية ممن يتقنون عدة لغات مختلفة والعمل على نقل الأخبار خاصة من لديهم أصدقاء في اوروبا واميركا الجنوبية ومختلف أنحاء العالم لتصل الرسالة الفلسطينية والرواية الصحيحة المضادة للرواية الاسرائيلية.

وشدد أبو القمبز على ضرورة اضطلاع الاحزاب والمؤسسات المختلفة بدور أكثر اهمية في مساندة الهبة الشعبية وحرب الانترنت كتشكيل غرف اعلامية مشتركة تجمع خبرات الشباب وتجند طاقاتهم بالشكل الأمثل وتعزيز قدرات الشباب التقنية ووعيهم بالحقوق ليتحدثوا للعالم ويخاطبوه بلغة القانون الدولي، ما يعزز رسالتهم ويثريها أكثر ويصبح بمقدورنا كسب جولة جديدة من جولات الصراع مع الاحتلال في هذه الساحة الأكثر اهمية بالنسبة لتدويل القضية الفلسطينية على مستوى العالم.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018