اشتقت لحيفا

الغربة بكل ما تحمله من قساوة البعد عن الأوطان جغرافيا، الا أن حالة من الشغف يعيشها أطفال اللجوء لحديث وحكايات أي مسن يحمل ملامح الوطن.. ملامح فلسطين التاريخية بقراها ومدنها وعادات اهلها وتاريخها العريق.

في حي الزهراء بالقرب من العاصمة التونسية، كنت وعائلتي نقطن في منزل مشابه لمنازل بعض الفلسطينيين الذين استقروا في تونس، كانت تجمعنا أواصر الانتماء لفلسطين التي لم يكن لاحد من أبناء جيلي، وقد كنت ابن أربعة عشر عامًا وقتها، اي صورة في مخيلته عن فلسطين باستثناء تلك التي رسمت بما يحكى لنا من قصص الآباء المغتربين عن قطاع غزة، والذين بدورهم كانوا يحملون صور قراهم من حديث آبائهم الذين هجروا قسرا عام 48، وهكذا، جيل يروي لجيل.

مما سمعت ومما قرأت ومما شاهدت من بعض الأفلام الوثائقية، يحملني الأمل في العودة لأحدث أطفالي عن حيفا، مدينتي الساحلية التي ولد فيها جدي وحرمت، كما أبي، من رؤيتها بفعل التهجير.

أريد أن أحدثهم عن طيبة الناس وبساطة عيشهم وكيف كانوا كالجسد الواحد في أفراحهم واتراحهم يساند بعضهم بعضا، دون عداوة أو بغضاء إلا ما ندر.

كيف لي ان أصف جدتي بملابس أهل حيفا التي كانت تحكيها بيديها وتفاخر بها نساء المدينة. وكيف كان جدي يعتز بهويته الفلسطينية العربية عندما كان يتنقل من مدينة الى مدينة، مرورا بحواجز جيش الانتداب البريطاني.

عندما أتخيل كيف كانت حياة عائلتي الكبيرة بحيفا، أنظر اليوم الى غزة ويأخذني السؤال، ما الذي حدث للناس، وأين ذهبت بساطتهم وطيبتهم وخوفهم على بعضهم.

تغريب الفلسطينيين لم يكن تغريبا جغرافيا بقدر ما كان الاحتلال يهدف من ورائه لطمس ملامح الهوية الفلسطينية وتغييب التراث والارث الاجتماعي بما يحمله من جملة العادات والتقاليد وبساطة العيش.

تنقل والدي بين مصر، حيث ولدت في الاسكندرية، الى الكويت ولبنان وقبرص وأخيراً تونس، المحطة الأخيرة قبل العودة لغزة "على أمل العودة لحيفا"، التي لم يعد من ملامحها سوى صور في ذاكرة كبار السن، محاولين، نحن جيل الشباب، حمل الراية ونقل التاريخ الشفوي على ألسنة من نعدهم كنزنا الحقيقي، أجدادنا الذين بتقاسيم الزمن على وجوههم يحملون في ذاكرتهم اليقظة، رغم تجاعيد الجسد، مئات الصور والصور التي لن تنسى.

التذكير ليس فقط للتاريخ، بل محاولة لهز روح الانسان في غزة التي باتت تفقد أنفاسها الأخيرة بفعل الاحتلال والانقسام اللذين نخرا في العلاقات الاجتماعية، ومسا أبسط تفاصيل حياة المواطن ونزعا الكثير الكثير من ملامح الحياة الاجتماعية التي يملأها روح التعاون والاخاء وجملة من الموروثات الاجتماعية الجميلة كالجار لجاره ويد الله مع الجماعة.

علينا أن نستعيد وعينا بكل الصور الجميلة القديمة لنحييها في نفوس صغارنا، أريد لأطفالي ان يكبروا على حب الوطن وامل العودة، فأنا قبل خمسة عشر عاما كنت أشتاق لأي قطعة من فسطين حتى جئت غزة، أما اليوم، فالاشتياق يأخذني لبلدي وبلد أجدادي وإليها سأعود ويعود أبنائي وأحفادي.. سنعود لقطعة من القلب.. سنعود الى حيفا.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018