إحياء الراحل أم تحنيطه؟

 

ثلاث كلمات

احتفال، تأبين، إحياء.. ثلاث كلمات تتردد عندما تستعاد ذكرى الراحلين من القادة والرموز، على الأغلب، وفيما أرى من احتفالات تخص الراحل ياسر عرفات، فإنه لا يجري تمييز بينها، وللدقة، يغيب فعل الإحياء، عقلنا مشغول بأمور أخرى، فتخرج الذكرى وكأنها تقلل من قيمة المحتفى به والمستعاد من رحيله القريب.

شخص مؤسس

لكل مجتمع "حدث مؤسس" بمنطق "آلان باديو"، لدينا النكبة مثلاً كحدث فارق وصادم ومفصلي، ولدينا ياسر عرفات، هذا رجل هو جزء أصيل من الهوية الوطنية لأي فلسطيني، اتفق معه أو اختلف، وهذا يدفعنا إلى رفع المرحوم إلى مرتبة عليا من مكونات الهوية الوطنية.

المعيش واليومي

دومًا هناك خوف من التعامل مع القادة والأبطال، أو الرموز والأساطير، وكل الشعوب لا تقوم بدون أساطير، الخوف هنا هو تحنيط هذه الرموز والأبطال، في حين أنه يجب إحياؤهم، نحن بحاجة إلى ذلك، بمعنى ربطهم في المعيش واليومي، وهو ما لا يكون برفع الشعارات والخطب الرنانة وربط المتحدثين أنفسهم بالراحل خلال الاحتفال بالذكرى، بل بالإحضار والاستقدام المتفاعل به والمتحاور معه. هذا فقط كفيل بأن يحول الرمز إلى قيم نحن بأمس الحاجة إليها، مثل: التسامح والتنوع، والتمسك بالحقوق، والحوار، والتعاون، والتضحية، والانتماء، ونكران الذات.. الخ.

عولمة الراحل

نعيش في عصر متداخل ومتشابك، هذا خطر وفرصة معا، العالم الذي يتربع عليه الظلم والاضطهاد وتسوده الحروب يحتاج لرموز يحملون قيم العدل والدفاع عن الابرياء والنضال من أجل الحقوق.

أخبرني صديق ذات مرة "أن عرفات عرف خارج فلسطين في مكانين، لدى قادة الحزب الوطني في جنوب افريقيا أولا، وعند بعض منتسبي الجيش الجمهوري الايرلندي سابقا ثانيا". 

هناك من لم يسمعوا بفلسطين وبكل الشرق الاوسط، لكنهم سمعوا به واحبوه. لكن المؤكد أننا بعد رحيله أصبحنا أقل حضورا.

المفارقة أن الشعوب تخترع رموزها وتصدرهم، نحن لدينا رمزنا الناجز والمتبلور والحقيقي.. لكن!

رموز بديلة

أخشى كثيرا، وأنا أراقب تفاصيل تحولاتنا ان هناك عملية خبيثة لاستبدال رموز بغيرها، الأمر يبدو لي صناعة وليس تحولا طبيعيا، هي رموز بديلة وغريبة تجعلنا ننزاح عما يمكن أن يجعلنا نتخلص من الاحتلال، وجزء من هذه العملية مقصود وخبيث، وجزء منه عكس ذلك، لكننا نتورط به بطريقة عجيبة لا تليق بشعب محتل عليه ان يحرص على الذاكرة ويسورها.

هي جزء من إعادة الهندسة تماما التي تستهدف العقول والقلوب كالمباني والطرقات وبرامج التلفزيون وشرفات المنازل حتى.

بالمناسبة، أختلف كثيرا مع الراحل، لكني أشعر في فعاليات استعادته السنوية أننا لا نستحقه حتى.. عجبي!

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018