أوركسترا شباب فلسطين.. عازفون يصنعون حياة

 أسس معهد إدوارد سعيد أوركسترا شباب فلسطين في العام 2004 برؤية هدفت إلى حشد الموسيقيين الفلسطينيين من جميع أنحاء العالم في جسم موسيقي موحد. واليوم، تتألف الاوركسترا من 80 عازفاً وعازفة من الفلسطينيين في الوطن والشتات ومتطوعين من أنحاء الوطن العربي، بحيث يشكلون اوركسترا نوعية بموازاة أوركسترات عالمية.

قدمت الأوركسترا عروضاً ناجحة منذ تأسيسها، فكانت البداية في السنوات الثلاث الأولى في الأردن وتحديداً في قاعة مدرسة تراسنطة عام 2004، وكان عام 2007 بمثابة انطلاقة جديدة للأوركسترا في ألمانيا، وهي المركز الأساسي للموسيقى الكلاسيكية في أوروبا، حيث قدمت الأوركسترا ثلاثة عروض في العام 2007 في مدن برلين وفايكرزهايم وجوترزلو.

وقال المدير الأكاديمي لمعهد ادوارد سعيد ابراهيم عطاري في مقابلة له مع "الحال" إن مستوى تعليم الموسيقى لدينا أفضل من معاهد كثيرة جدا في العالم العربي؛ فطلابنا يتفوقون على نظرائهم في المعاهد واستطاعوا إثبات أنفسهم أمام أوركسترات عالمية. لكن في مجال العزف، ليس عندنا بعد عازفون من مستوى العازفين المصريين والأتراك، وربما سيكون لدينا عازفون ذوو مستوى خاص خلال سنوات القادمة.

وأضاف أن الأوركسترا تجسد للشباب الحلم الفلسطيني بالدولة والوحدة عن طريق عكس خصوصية الحياة الفلسطينية الثقافية من أحد جوانبها الإنسانية السامية من خلال لغة الموسيقى التي تخاطب الشعوب وتبث رسائل الأمل والحرية دون إغفال الواقع الفلسطيني السياسي الصعب.

وقال العطاري إن الأوركسترا تفتح أبوابها سنوياً لاستضافة عازفين غير فلسطينيين، حيث يشارك فيها منذ تأسيسها عازفون من اليونان، وايطاليا، واسبانيا بالإضافة إلى الدول العربية وهي: مصر، والأردن، وسوريا، ولبنان، والعراق، ما يضيف تنوعا حيوياً ويغني التجربة الموسيقية للأوركسترا. كما تسعى الاوركسترا لتسليط الضوء على أعمال الفلسطينيين والملحنين العرب إلى جانب كلاسيكيات غربية، تضمنت العروض الأخيرة مقطوعات لمارسيل خليفة.

أما بالنسبة لقيادة الأوركسترا، فكانت مؤخراً تحت إشراف المايسترو العالمية شون ادواردز التي عملت مع أشهر فرق واوركسترات الكلاسيكيات العالمية. وأيضاً مياس اليماني ومحمد نجم وفادي ديب ومارسيل خليفة وأميمة خليل وباسل زايد وريم تلحمي وريم البنا وباسل ثيودوري.

 

موهبة ودراسة معًا

لم تكن دراسة هبة العمري طالبة الاعلام في جامعة بيرزيت عائقا أمام دخولها لمعهد ادوارد سعيد، فالتحقت في المعهد في العاشرة من عمرها لتتعلم العزف على آلة التشيلو وشاركت في عدد من الفرق الموسيقى الغربية والعربية وأهمها أوركسترا شباب فلسطين.

وتعتبر هبة الأوركسترا من أهم مراحل حياتها نظرا لإعطائها الفرصة عن التعبير عن ذاتها عبر فرقة تشمل العديد من العازفين المحترفين والموهوبين، اضافة الى السفر لبلاد مختلفة والتعرف على ثقافات جديدة، والأهم إيصال رسالة للعالم بأن الفلسطينيين هم شعب مثقف ويريد الحياة ويستطيع ايصال صوته عبر طريقة سلسلة وجميلة يفهمها كل العالم. كما أن الأوركسترا تبين حب الموسيقى والفن ومدى القدرات والمواهب لدى شباب فلسطين.

وتقول العمري إن وجود متطوعين من الدول العربية والغربية يدل على مدى تفتح الأوركسترا على العالم وهدفها بالوصول إلى مستوى من الحرفية وليس "طلب شفقة" الشعوب أو إشعارهم بضعف الفلسطينيين، بل كسر الصورة النمطية من حيث قدرتنا على الوصول كموسيقيين للعالم.

وأضافت أنه لا يوجد شخص صغير أو كبير إلا وعانى من ضغوطات الاحتلال، فكنت أعاني من تفتيشات كثيرة على حاجز قلنديا نظرا لسكني في كفر عقب وتفتيش الاحتلال لآلتي الموسيقية عند تنقلي بسبب كبر حجمها، ناهيك عن الساعات الطويلة من السفر، إلا أنني كنت أنسى كل ذلك التعب والجهد مع أول عرض لنا ومشاهدة استمتاع الجمهور بتعبنا منذ شهور.

 

رفض التجنيد وذهب للموسيقى

ولم يكن عمر سعد طالب موسيقى موهوبا ومتألقا في عزف الفيولا فقط، فهو فلسطيني يعيش في الداخل المحتل ويعاني من جدلية التجنيد لدى قوات الاحتلال أو السجن! الا أنه رفض التجنيد وواجه الاعتقال واستطاع أن يوصل قضيته عبر الموسيقى للعالم.

وعن رحلته في اوركسترا فلسطيني قال: أنا وأخواي (مصطفى وغاندي) وأختنا (طيبة) أعضاء بأوركسترا فلسطين للشباب وكأوركسترا، نساهم في إيصال صوت شعبنا للعالم عن طريق الموسيقى، وهذا الأسلوب مهم جدا ويعتبر شكلا من أشكال المقاومة الحضارية الثقافية، فاﻹعلام الصهيوني يحاول أن يشوه صورة شعبنا عن طريق الاعلام، محاولا إلصاق صفة الاٍرهاب والتخلف به، وأن ينشر للعالم صورا وكأن الفلسطيني يهوى الموت، وكأنه يقتل من اجل القتل.

واضاف سعد: "في الأوركسترا قضية، فنحن عن طريق الموسيقى نرسل رسالة قوية وواضحة للعالم: نحن شعب موهوب، خلاق، لدينا اﻹمكانيات لكن نفتقر للفرص ونستطيع أن نغير هذه الدعاية الباطلة. وكوننا أعضاء في أوركسترا فلسطين للشباب، تأكيد على أننا أبناء شعب واحد، ألمنا وحزننا وفرحنا واحد ولا فرق بين ابن الجليل وابن الضفة ﻷن عدونا أيضا واحد، الا وهو الاحتلال".

ويعتبر سعد أن قضية رفض التجنيد هي رفض لأي محاولة لتجزئة أبناء شعبنا، ويقول "نحن جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. فكيف يمكن أن أحمل السلاح ضد أبناء شعبي؟ وكيف أكون مساهما في إذلال وقمع شعبي؟ كذلك كوني موسيقيا، أرفض كل أشكال العنف، والمؤسسة العسكرية هي قمة العنف الجسدي والنفسي.

ولم يكن رد الحكومة الاسرائيلية لسعد بتفهم رأيه، بل بالاعتقال والسجن، فسجن 7 مرات وقضى  ما يقارب 200 يوم في السجن العسكري، وكان من الممكن الاستمرار بسجني لولا وعكة صحية ألمت بي. وهذا العام سيرفض أخي مصطفى أن يكون جزءا من جيش الاحتلال وأظن أنه سيسجن أيضا.

ويقول سعد إن وجوده عضوا في الأوركسترا ساهم بجذب التضامن الدولي معه، خاصة أنه رفض تبديل آلته الموسيقية التي يمكن أن تحقق السلام، بسلاح يمكن أن يقتل بنت أو ابن شعبه. فكان هناك العديد من حملات التضامن معه من موسيقيين وفنانين وأعضاء برلمان.

 

الموسيقى رحلة حياة

أما عن طالبة اللغة الفرنسية فدوى قمحية في جامعة بيرزيت، فتقول إن الموسيقى كانت بمثابة التغيير الكبير على صعيد شخصيتها وحياتها، فتعزف قمحية على آلة "كونترباص"، واعتبرتها بمثابة التحدي، وفتحت لها الابواب بالمشاركة في فرق عالمية.

وتقول قمحية إن أكثر ما تشعر فيه بايجابية رؤية نتائج ما تقدم، حيث خلال عرض الاوركسترا يستطيع العازفون اظهار المستوى الاحترافي وكمّ المواهب لدى الفلسطينيين، الأمر الذي يثير غضب المؤيدين للاحتلال الاسرائيلي. وبالرغم من محاولة منسقي المهرجان في فرنسا العمل على عرض رباعي إسرائيلي في ذات اليوم، الا أن المعهد والأوركسترا رفضوا بشكل قطعي وأظهروا موقفا واضحا وصريحا باستحالة القبول بعرض الاحتلال والفلسطينيين بشكل متساوٍ. وبالرغم من ذلك، الا أن الأوركسترا استطاعت أن تنظم عرضا احترافيا وعالي المستوى.

وتعتبر قمحية أن وجودها كطالبة في الأوركسترا وسفرها وتعرفها على جماعات وأناس من ثقافات مختلفة ومتعددة يساهم في تطوير قدراتها واعطائها دافع للاستكمال، خاصة أنها التقت بخطيبها من خلال العروض العالمية التي شاركت فيها. كما ان خروج فرق موسيقية مثل الأوركسترا يساهم في كسر الصورة النمطية عن الفلسطينيين عبر الاختلاط المباشر بعازفين ومحترفين عالمين ونقل صورة يعمل العالم على اخفائها وهي اظهار مدى الثقافة والمعرفة وحب الحياة عبر الموسيقى.

 

  • طالبة في دائرة الإعلام بجامعة بيرزيت

 

 إبراهيم عطاري

 

هبة عمري 

 

 

عمر سعد

 

 

فدوى قمحية

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018