أبو ناصر: زمّار أبو شوشة!

 

دخل عشق العزف على الشبابة واليرغول قلب الثمانيني سعيد محمد عبد القادر منذ أن كان طفلًا، وما زال هوى الأدوات النفخية يسبح في دمه، بالرغم من سلسلة أوجاعه، وتراجع قوة نفسه الطويل.

يجلس أبو ناصر الذي التصقت به كنية "الزمّار" على أريكة ببيته وسط مخيم الفارعة، فيما تمسك يداه آلات عزف صنعها بنفسه منذ سنوات، ويقص لسانه حكاية تعلقه بالنفخ قبل اقتلاعه وعائلته من قرية أبو شوشة المجاورة لحيفا، وعمله اللاحق في إحياء الأعراس الشعبية سنوات طويلة.

 

رهان ومغارة

يقول: تعلّمت العزف على الشبابة في حقول قريتي، وتركت المدرسة في الصف الثالث لأرعى قطيع عائلتي، ودخلت في رهان مع أبي لترك الرعي الشاق، وهو أن أتقن كل فنون العزف على هذه الأداة، وقتها كنت لم أكمل العاشرة بعد.

بدأ سعيد بتعلم ألوان الموسيقى، وأتقن فنون "الدلعونا"، و" الشمالي"، و" الجفرا"، و"زريف الطول"، وغيرها، وحين عرض مهاراته على والده الذي كان يُعلّم في كُتّابه أبناء أبو شوشة، قال له: "لم تتقن العزف بعد، يا ولدي". فيعود لسيرته الأولى، ويبدأ بمراجعة نفسه، ليجد أن كل الفنون صارت طيعة في يده، ليعترف له الأب لاحقاً أنه أتقن كل شيء، ولكن أراد له البقاء في مهنة الرعي.

يروي: تطورت مهاراتي كثيرًا، وحين وقعت النكبة، وكنت مع القطيع، خفت على شبابتي من الضياع، فذهبت إلى مغارة "أبو جريس" ودفنتها ببابها، وقلت لنفسي: سأعود إليها غدًا، وفي الليل هاجمتنا العصابات الصهيونية، وأطلقوا النار على البشر والبهائم، وقتلوا شبانًا منا، ونفقت عدة رؤوس من أغنامنا.

أقصت النكبة عبد القادر عن قريته، ومكث في السيلة الحارثية قرب جنين عدة سنوات، ثم انتقل إلى مخيم الفارعة، وخلال إقامته في السيلة، طوّر تعلقه باليرغول والشبابة، وكان ينفخ في أدواته طوال الليل، في حقول البطيخ التي زرعها والده، وهو ما جعله مضرب المثل في البلدة، وحمل بالشكاوى العديدة لوالده، بدعوى الإزعاج وعدم السكون في جوف الليل عن "التشبيب".

 

عقوبات

يتابع: أنزعج والدي مني، وخاصة حين صار الناس يدقون باب بيتنا كل يوم، ويطلبونني لإحياء أفراحهم، وقد قرّر في إحدى الليالي أن يعاقبني، فضربني بالعصا، وكسر شبابتي، وأخبرته أنني لن أترك العزف حتى أموت. وسألني: هل تخفي واحدة أخرى؟ فقلت له نعم، ولكن لن أخبرك بمكانها. وطلب من إخوتي البحث عنها ليكسرها، فلم يجدوها. فأعاد السؤال: أين هي يا ولد؟ فأجبت: سأخبرك بشرط، ألا تمنعني منها، فضحك ووعدني، وأحضرتها له من قلب الفراش.

عمل أبو ناصر في إحياء أعراس الجليل وجنين وطوباس والأغوار والجليل، واستمر منذ عام 1950 وحتى وفاة والده عام 1978، لكنه واصل العزف لنفسه ولأفراح أولاده ومعارفه بالمجان، ولم يعد الناس يعرفونه إلا بالزمّار.

يقول: كنت أنفخ في اليرغول والشبابة طوال الليل، ولا أتعب أبدًا. وفي أحيان كثيرة كنت أعزف وأضع أيضًا السيجارة في فمي، ولم أشرب أي شيء لتقوية نفسي. ولا أنسى أصعب موقف أمر به، حين ذهبت لإحياء حفل ببلدة عقابا أوائل السبعينيات، ويومها انكسرت شبابتي من أول الليل، فعدت مبكراً، وتعلمت ألا أذهب لحفل إلا مع يرغول أو شبابة احتياطية.

تعلّم الزمّار صنع الأدوات الموسيقية الخشبية، من القصب المنتشر في جوار نبع عين الفارعة، وكان يجد أول الأمر صعوبة في تجهيز مكان النفخ، إلى أن تعلمه وأتقنه من شاب كرمي.

 

30 دينارًا وعرس

يتابع: كنت أحصل في الحفل بين 5 دنانير و20 ديناراً، وأكبر مبلغ أقبضه من عرس واحد كان 30 دينارًا في السيلة الحارثية. وقد أحييت أفراحًا لأصدقاء ومعارف، وآخر عرس كان لابني طارق قبل سنتين، لكن منعني الأطباء عن اليرغول اليوم، وحين أسمع أي عزف لأحد على شبابة أو يرغول، أبكي من كل قلبي.

تلقى عبد القادر تعليمه حتى الثالث الابتدائي، وهو أب لتسعة أولاد وثلاث بنات، أكبرهم ناصر (54 عامًا) وأصغرهم طارق (30 عامًا)، ويحلم أن يسترد عافيته ليعود إلى أبو شوشة ويُخرج شبابته الدفينة من مغارتها، ليعزف لحن العودة.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018