نَزْفُ البطالة في غزة.. "البسطات" مسلسل غزي يكتبه "الغلابا" ويخرجه اقتصاد تعيس

 ​حالة من اليأس رسمها مسلسل البطالة الذي أخرجه الاقتصاد الفلسطيني التعيس حيث تبارت شخصياته في نحت ظروف حياتهم ليتمكنوا من العيش مكرهين على المشاركة في هذا المسلسل الذي لا يرجى انتهاؤه، فبصيص الأمل لم يعد إحدى علامات الجودة التي تحلم بها عيون المواطن الغزي.   

تقارير رسمية صادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني كشفت أن نسبة البطالة في فلسطين (الضفة الغربية وقطاع غزة) خلال الربع الثاني من العام الجاري، بلغت 24.8٪ ، بواقع 15.4٪ في الضفة، و 41.5٪ في قطاع غزة. 

 

"بسطات" ذوي الشهادات

بلغ عدد الخريجين خلال العام الدراسي 2014- 2015، في جامعات غزة، 9454 خريجًا من الذكور، و9371 خريجة من الإناث، وفق ما أفادت به وزارة التربية والتعليم العالي في غزة.

يقول عبد الناصر داوود ابن الـ 30 عاما والخريج منذ عام 2007 تخصص البرمجيات وقواعد البيانات: "تقدمت للعديد من الوظائف وقدمت امتحانات التوظيف والنتيجة ما زلت بلا عمل".

ويضيف عبد الناصر المتزوج ولديه طفلان وينتظر الثالث: "أطفالي هم من دفعوني نحو التفكير بفتح "بسطة صغيرة" كي أقتات منها وأؤمن لهم احتياجاتهم". 

لا يقف الأمر عند مدينة دون أخرى في قطاع غزة، محمود أحمد، (29 عاماً) من خان يونس بعدما تخرج من كلية تكنولوجيا المعلومات نال نصيبه من البطالة لينتهي به الأمر نحو فتح بسطة لبيع الإكسسوارات البسيطة. 

يقول: "لم يكن أمامي خيارات فزوجتي وأطفالي الأربعة واخوتي وأمي وأبي بحاجة لمن ينفق عليهم وويفور بعضًا من احتياجاتهم ولو بالحد الأدنى، فلقمة العيش لا ترحم".

 

العمر والتعليم ليسا شرطًا للعمل

لكي تعمل في "بسطة" ليس أمامك سوى جلب بعض الحاجيات البسيطة ووضعها على الرصيف فوق قطعة من الكرتون وإذا كنت تملك بعض المال لتصنع عربة فأنت من ملوك "البسطات".

صبحية ابنة الـ 15 عامًا لم تحمها طفولتها كما لم يمنعها التحاقها بالمدرسة من العمل تقول: "منذ السادسة من عمري وأنا أمتهن البيع على الاشارات الضوئية لتكبر معي وتصبح لي بسطة كي لا أتسول، أنهي دوامي المدرسي وأسرع لفرش بسطتي على الرصيف ومن ثم أعود إلى البيت الساعة العاشرة ليلاً".

لاحقتها لعنة البسطة لتأكل من راحتها ودراستها التي لا تكاد تعرف منها سوى واجباتها التي تنهيها في نهاية يوم شاق ورغم ذلك إلا أن معدلها جيد جدا وتحلم بأن تصبح طبيبة.

"كل شخص لديه أمان كثيرة خاصة لمن هم في مثل وضعي، لكن أول شيء أتمناه هو أن أتخلص من هذا العمل"، هكذا عبرت صبحية عن أحلامها التي نهشها استهزاء زميلاتها بها في المدرسة. 

ليس سوى خطوات حتى ترى أنس حميدة، (20 عامًا)، يقف خلف عربة يملكها يبيع عليها بعض المكسرات إلى جانب بيع الشاي والقهوة. 

"كنت أعمل بالبوية والنجارة ولكن الظروف الاقتصادية السيئة دفعتني لفتح البسطة" هذا هو أنس لا يحلم سوى بالسفر كي يعمل ويؤمن مستقبله.

ولم يمنع العمر والمرض "أم محمد" من فتح بسطتها الخاصة التي لها أكثر من 10 سنوات ليس حبا فيها بل هي الحاجة التي تدفعها نحو تحمل المزيد من المعاناة.  

أزمة وحساسية بالصدر منذ 20 عامًا تعانيها أم محمد التي تخطت الـ 53 من العمر "لا أستطيع ترك البسطة كوني أعيل أبنائي الـ 7 وزوجي رغم أنني أعاني من 10 غضاريف بجسدي ولا استجيب للعلاج فهي بحاجة لعمليات لا قِبَل لي بتكلفتها".  

 

بلدية غزة والبسطات

أثارت حادثة المواطن محمد أبو عاصي المشهور بـ "روتس الغلابة" ضجة جماهيرية واسعة والذي كان يقف بعربته "البسطة" في منطقة "الكورنيش" وهو شارع البحر المعبد في مدينة غزة، حين صادرتها بلدية غزة عدة مرات بذريعة أنها مخالفة. 

تناول أبو عاصي سم الفئران ورقد في غرفة العناية المركزة  لعدة أيام، وثارت ثائرة الغزيين فيما اشتعلت وسائل التواصل الاجتماعي التي بدأت بالتغريد على هاشتاغ #روتس_الغلابة.

يقول المهندس حاتم الشيخ خليل، مدير عام الادارة العامة للتنظيم، بلدية غزة: "كبلدية نرى أن البسطات العشوائية يجب أن تزول، ولكن مراعاة للوضع الاقتصادي الصعب فنحن نغض الطرف عنها ما لم تسبب إزعاجًا للمواطنين، فدورنا هو تنظيمها للتخفيف من سلبياتها".

ويشير الشيخ خليل إلى محاولة البلدية إيجاد بديل عام 2008، بفتح سوق اليرموك، ولكن أصحاب البسطات لا يرغبون بوضعها سوى داخل التجمعات السكانية. 

 

قطاع غزة في مهب الريح

ويصف المحلل الاقتصادي د. ماهر الطباع، الوضع الاقتصادي في قطاع غزة بالكارثي، وفق المؤشرات الاقتصادية.

وأكد الطباع أن نسبة البطالة بلغت 41%، أي أكثر من 200 ألف عاطل عن العمل، فيما بلغت نسبة انعدام الأمن الغذائي 72%، ناهيك عن نسبة الفقر التي بلغت 39%، والفقر المدقع 21%، كما أن نسبة البطالة بين الخريجين من فئة الشباب بلغت 60%.

يقول الطباع: "أفرزت الأوضاع الاقتصادية السيئة ظاهرة البسطات، فبعد أن كانت تقتصر على الأعياد والمناسبات أصبحت منتشرة على مدار العام".

وما زالت الحالة الفلسطينية تفرز المزيد من عصارة الألم والمرارة التي يقاسيها المواطن الغزي الذي هو في أمس الحاجة لمن ينظر في قضاياه ويأخذها على محمل الجد.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018