ضحّى بدقة المعلومة لصالح "السبق" عندما ترنّح الإعلام الفلسطيني

 

كشف تطور الاحداث وتسارعها في الاراضي الفلسطينية، عن خلل بنيوي في  عمل هيئات التحرير للعديد من وسائل اعلامنا المحلي الذي وجد نفسه مضطرًا للانسياق وراء نقل ونشر الاخبار دون التحقق او التأكد من صدقية ما يبثه او ينشره او يذيعه، ما خدم الرواية الاسرائيلية بنشر معلومات مغلوطة  للاحداث، في حين وقعت العديد من وسائل اعلامنا المحلي ضحية السرعة في نقل الاحداث على حساب الدقة والتحقق من المعلومات قبل نشرها.

وبينما يرى العديد من الصحافيين والمراقبين ان المسؤولية تقع على الصحافيين الميدانيين في التحقق والتأكد من المعلومات قبل ارسالها لمؤسساتهم الاعلامية ونشرها، فان مختصين في المجال الاعلامي يرون ان المسؤولية تقع اساسا على هيئات التحرير في المؤسسات الاعلامية، باعتبارها المسؤولة عن نشر ما يصلها من معلومات والمسؤولة عن التحقق والتأكد من صدقية المعلومات قبل نشرها للجمهور.

كريستين ريناوي مراسلة تلفزيون فلسطين من القدس المحتلة، ترى ان سرعة الاحداث وتصاعدها ادت الى إرباك الصحافيين والمؤسسات الاعلامية المحلية على حد السواء خاصة مع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي والهواتف الذكية التي يمكن ان تنشر المعلومات والصور والفيديوهات دون التحقق من صدقيته.

واضافت: "لكن للاسف هناك مؤسسات اعلامية وقعت ضحية اهتمامها بنشر عواجل الاخبار على حساب الدقة، الامر الذي ينعكس بصورة مباشرة على مصداقيتها امام  جمهور المتلقين".

وتروي ريناوي ما حدث معها اثناء تغطيتها للاحداث، مشيرة الى حادثة اعلان عن استشهاد مواطن في مكبرات المساجد في الطور، حيث تناقلت الخبر عدة مواقع إخبارية، لكن الرجل سمع خبر استشهاده وهو على شرفة بيته يشرب الشاي بالنعنع مع زوجته، موضحة ان هذه القصة نتجت عن خطأ في بيان اصدرته شرطة الاحتلال تتضمن معلومات عن استشهاد ذلك الرجل، ما دفع العديد من وسائل الاعلام إلى تناقل هذا الخبر، في حين ان الشرطة تراجعت عن بيانها وصححت ما جاء به من معلومات خاطئة.

وقالت: "المشكلة ناتجة بالاساس عن تبني وسائل اعلامنا المحلي للرواية والاخبار الصادرة عن وسائل اعلام اسرائيلية والتي في اغلبها تكون مسيسة او خاضعة للمستويات الامنية التي تتعمد نشر معلومات واخبار مفبركة بهدف ارباك الجمهور الفلسطيني".

من جانبها ترى الصحفية نائلة خليل، أن الهبة الشعبية الحالية فضحت وكشفت سوء وضع اعلامنا المحلي وطريقة تعامله مع الاحداث ونقل ونشر المعلومات، معتبرة وضع اعلامنا بانه نتاج عملية تراكمية من التهميش والتبعية لسنوات طويلة، لكن الهبة الحالية كشفت الخلل البنوي على مستوى اداء الصحافيين واداء المؤسسات الاعلامية.

وقالت: "لا يمكن اعفاء الصحافيين 100% من مسؤوليتهم في التحقق والتدقيق في المعلومات التي ينشرونها، كما انه لا يمكن اعفاء مؤسساتهم الاعلامية بما في ذلك رئاسة التحرير او هيئات التحرير من المسؤولية الواقعة عليهم في نشر المعلومات الخاطئة".

وتابعت خليل: "ما نعيشه الان هو بمثابة تسيب وفوضى إعلامية في ظل غياب استراتيجية ومحددات حازمة لاداء اعلامنا المحلي، خاصة اننا ما زلنا تحت الاحتلال الذي يحاول اختراق مجتمعنا على اكثر من مستوى، وفي مقدمة ذلك بث روايته الاعلامية"، مشيرة الى ان العديد وسائل اعلامنا المحلية تتبنى الرواية الاسرائيلية دون اي جهد حقيقي للتدقيق والتحقق من تلك الرواية.

واضافت: "المشكلة الاخرى ان المسؤولين الرسميين اعتادوا على التواصل مع الصحافيين الاسرائيليين ومنحهم السبق الصحفي، الامر الذي جعل الصحافيين الفلسطينيين والمجتمع يتعامل مع ما ينشره الاعلام الاسرائيلي بانه حقيقة ويجب نقله دون التحقق"، داعية الى اهمية بذل المزيد من الجهود وبحث امكانية انشاء هيئة بمشاركة كافة الجهات ذات العلاقة لرسم الاستراتيجية الوطنية للاعلام ومراقبة الاداء بغرض تصويب الاخطاء ومعالجتها.

إلى ذلك، يتفق الصحفي فادي العاروري، مع اهمية الحاجة لضبط الاداء الاعلامي المحلي جراء ما وصفها بـ"الاخطاء الكارثية" التي تكون لها اثار سلبية مباشرة على الاشخاص او عائلاتهم على اكثر من مستوى، بما في ذلك الاضرار النفسية.

وقال: "المشكلة تصبح اكثر تأثيرا عندما يتعلق الامر بنشر انباء لها علاقة باسماء الجرحى والشهداء دون مراعاة القواعد والاصول المهنية او حتى مراعاة الاحتياجات الانسانية، ما يستدعي العمل الحثيث لرصد مثل هذه الظواهر ومعالجتها".

وتابع: "على المستوى الشخصي، انا ضد نشر اسماء الجرحى، اما بخصوص اسماء الشهداء، فيجب التحقق والتدقيق فيها قبل نشر اية معلومة بهذا الخصوص، لانه لا يعقل ان يعرف الاهالي استشهاد اولادهم من شاشات الفضائيات او المواقع الاخبارية".

ويرى عاروري ان افضل الطرق للتغلب على مثل هذه المشاكل وتلافي الاخطاء، هو اعتماد المنهج المهني عبر الاعتماد على اكثر من  مصدر وعدم الاخذ بالمصدر الاسرائيلي على انه المصدر الاساسي، مشيدا بما قامت به وزارة الاعلام الفلسطينية بخصوص مطالبة وسائل الاعلام باعتماد مصدر وزارة الصحة الفلسطينية فيما يخص المعلومات المرتبطة باسماء الشهداء او الجرحى، اضافة الى موقف نقابة الصحافيين الداعي الى عدم استخدام المصدر الاسرائيلي كمصدر رئيسي للاخبار.

ويتفق العاروري مع اهمية ان يتحمل رئيس التحرير وهيئة التحرير في المؤسسة الاعلامية المسؤولية عن نشر الاخبار وعدم حصر المشكلة في الصحفي الذي يعمل في ظل ظروف بالغة الصعوبة والتعقيد خاصة في الاحداث الميدانية.

من جانبه، يقر مسؤول الموقع الالكتروني في صحيفة الحياة الجديدة، خلدون البرغوثي، بوجود اشكالية حقيقية فيما يخص التعامل مع الاخبار العاجلة مثل انباء وقوع العمليات او الشهداء والجرحى في الداخل، وقال: "عملنا يعتمد على سرعة النشر، لكن في مثل هذه الاحداث لا بد من استخدام "الفرامل"، لان الامر بحاجة للتحقق والتدقيق".

وقال: "في ظل عدم وجود مصدر فلسطيني للمعلومات في الداخل فاننا نعمل على مراقبة ما تنشره وسائل الاعلام الاسرائيلية ونتأكد من اكثر من مصدر اعلامي اسرائيلي قبل اعتماد نشر اية معلومة"، رغم تأكيده على وجود تضارب في المعلومات المنشورة في المواقع والفضائيات الاسرائيلية، موضحًا ان معرفته باللغة العبرية تساعده كثيرا على فهم المعاني والحدث الذي يقع.

من ناحيته، يقول محاضر الصحافة والاعلام في الجامعة الاميركية سعيد ابو معلا: "اليوم يطفو مصطلح (مجتمع الإعلام) على السطح، ويرتبط هذا المفهوم بمجموعة من السمات المؤثرة على عمل وسائل الإعلام وما يرتبط بها وهي: اللامادية (رقمنة لغة تخاطب الاعلام وادوات البث)، والمعرفة (تقويض مبدأ الاحتكار والهيمنة على المعرفة)، والمرونة (التعليم المستمر ورفع منسوب الكفاءة)، والتحول (العمل ليس مركزيا ولا محصورا بمكان)".

واضاف: "مجمل ما يجري من مشاكل لها علاقة بالمهنية ومعايير العمل والاخلاق، وترتبط ارتباطا وثيقا بهذه السمات، ومنها نتفرع لنقول: إن هناك تحولين مهمين يعيشهما مجتمع الإعلام؛ الاول هو الطفرة التكنولوجية وهيمنة اقتصاد السوق وهو ما خلف على عمل وسائل الإعلام المحلية او العالمية نتائج معقدة وعميقة". 

وتابع: "المعلومة في مجتمع الإعلام، الذي نعيشه كفلسطينيين بمجمل وسائل إعلامنا والنشطاء وشبكات التواصل الاجتماعي وأجهزة الهواتف الخاصة فينا.. الخ، المعلومة في هذا المجتمع جزء من صناعة واداة متاجرة تباع مرتين؛ الاولى للمتلقي والثانية للمعلن، ووفق ذلك فإن كل ما يتعلق بالنشر يخضع لاعتبارات نسب المشاهدة ومتابعة الجمهور لها، وهو ما خلق تحولا في تعامل الإعلاميين أو كل من ينشط في مجتمع الإعلام مع المتلقي، فقد أصبح "مستهلكا" لا مواطنا له الحق بالمعرفة والحقائق المعلومة والموضوعية والمفيدة".

وأوضح أن المنطق الذي يحرك الإعلام الفلسطيني المحلي يستوجب السرعة في جمع المعلومة ونشرها بصورة آنية ولحظية، وفي ظل وفرة المعلومات (غير المتحقق من جزء كبير منها)، أصبحت المعلومات تقتل بعضها وتشوش على بعضها الاخر. الإعلامي هنا لا يستطيع المجاراة في مجتمع الإعلام الحافل بالناشرين والمشاركين بفعالية في عملية النشر (بفعل التطور التكنولوجي) وهو أيضا تحت ضغط السرعة والآنية وهو ما يجعله يضطر إلى تجاهل مبدأ التحقق والتثبت من المعلومة، وقد لا يعير اهتماما لمبدأ تقديم المعلومات وفق أولوياتها واهميتها عند المتلقي (مثل نشر اسماء الشهداء قبل أن يعلم ذوو الشهيد بخبر وفاة ابنهم). 

ويرى استاذ الصحافة والاعلام في جامعة النجاح الوطنية، فريد ابو ظهير، أن مواقع التواصل الاجتماعي، رغم إيجابياتها الكثيرة، إلا أنها فتحت الباب واسعا أمام المواطن العادي لنقل المعلومات بشكل سريع غير مسبوق. ويجب الاعتراف أن الإعلاميين تأثروا، وانساقوا إلى هذا الواقع. فأصبح الإعلامي يجد يستصعب أن يتم نشر الخبر من قبل مواطن عادي، ليس صحفيا، قبل أن ينشره هو.

وقال: "ثمة أسباب أخرى، أهمها التنافس في نشر الأخبار والمعومات. من هنا، تكرست فكرة السرعة على حساب الدقة. وهذا خلل مهني عميق يجب ألا ينساق له الصحفيون. إن رأس مال الصحفي هو دقة المعلومات وشموليتها وعمقها، وليس السرعة التي تفتقر إلى كل ذلك. فإذا تمكن الصحفي من المواءمة بين السرعة والدقة، فهذا يُعد إنجازا كبيرا. لكن هذا الأمر ليس باليسير في غالب الأحيان".

وأضاف: "الصحفي ليس مواطنا عاديا ينقل المعلومات التي يسمعها. الصحفي إنسان مهني، يتعامل مع المعلومات بناء على أسس علمية، ودون انفعالات إنسانية غير محسوبة النتائج. كما أن سمعته، بل ووظيفته، ستكون مهددة إذا تجاهل هذا المبدأ، وانساق وراء السرعة على حساب الدقة".

من جانبه يقول الاعلامي والوزير السابق، اشرف العجرمي، إن الإعلام المحلي يتأثر للأسف بشبكات التواصل الاجتماعي التي تقوم بنشر كمية كبيرة من الأخبار والمعلومات غير الدقيقة والتي تستند لمشاهدات شخصية فردية على الأغلب، ولا يكلف نفسه التدقيق في المعلومات ربما بسبب قلة المراسلين في الميدان والاعتماد أكثر على المقابلات الشخصية والموجات المفتوحة في حال أجهزة الراديو والتليفزيون. 

ولاحظ العجرمي الابتعاد رويدا رويدا عن اتباع قواعد المهنية والموضوعية في التعاطي مع الأحداث والأخبار، "وللأسف، الجهات المختصة لا تعالج هذه الأخطاء الشائعة التي في بعض الأحيان، ما يتسبب في وقوع غبن وإساءة لمواطنين فلسطينيين، وأحيانا أخرى التحريض والمساس بحقوق الناس أو دفع المواطنين لاتخاذ مواقف وردود أفعال مبنية على معلومات خاطئة وغير مدققة، وهو ما يضر بسمعة الإعلام الفلسطيني محليا ودوليا".

وحول الحل لحالة التخبط، قال العجرمي إنه "يكمن في اعادة توجيه وسائل الإعلام المحلية إلى الالتزام بقواعد المهنة واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق من ينشر معلومات خاطئة تؤدي إلى الإضرار بحقوق الأفراد والحق العام بما في ذلك التسبب بمشاكل على المستوى الوطني".

وتابع: "على النقابة، أكثر من غيرها، متابعة وسائل الإعلام ودفعها لتحري الدقة والموضوعية والالتزام بقواعد وآداب وأخلاق المهنة بما يطور دور الإعلام ورسالته".

ويعلق رئيس لجنة اخلاقيات المهنة في نقابة الصحافيين، حسام عز الدين على اشكالية اعتماد اعلامنا المحلي على سرعة نشر الاخبار على حساب المصداقية والدقة بالقول: "إعلامنا المحلي وقع في اخطاء كارثية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وفتح بذلك الباب واسعا امام المعلومة الاسرائيلية التي تنشرها الفضائيات والمواقع الاخبارية وكانها عين الحقيقة".

وقال: "لجنة اخلاقيات المهنة في النقابة تتابع مثل هذه الاخطاء، ونحن نؤكد على مسؤولية رئاسة وهيئة التحرير في اعلامنا المحلي عن اغلبية هذه الاخطاء باعتبارها مسؤولة عن الصحافيين العاملين لديها ومسؤولة عن النشر"، موضحا ان وسيلة الاعلام يجب ان تضع قواعد واسسا مهنية للصحافيين الميدانيين وتوفير كل متطلبات عملهم المهني خاصة ان هناك صحافيين ميدانيين يعملون لساعات طويلة ويبذلون جهودا كبيرة في متابعة المعلومات ونقلها لمؤسستهم الاعلامية التي تقوم بنشرها.

واضاف: "المطلوب هو وضع آلية عمل مهنية، منها عدم نشر اية معلومة دون تأكيدها من مصدرين على الاقل، ثم اعتماد المصادر الطبية فقط لإعطاء معلومات عن الوفيات، واهمية ان يكون لدينا مصدر امني فلسطيني متخصص لاعطاء المعلومات الدقيقة عن الاوضاع"، مشيرا الى ان نقابة الصحافيين اصدرت تعميما بهذا الخصوص من اجل ضمان دقة المعلومات وحماية قواعد اصول العمل الصحفي المهني.

وقال عز الدين: "من الواضح أننا امام معضلة واشكاليات يجب معالجتها على المستوى المهني لأننا نجد بعض وسائل إعلامنا لا تفرق بين الآراء والمعلومات".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018