خريجو الإعلام الجدد ضحايا استغلال المؤسسات.. ولا قوانين رادعة

 

 "لما ييجي عندي المُتدرب بحرث عليه" عبارة عامية قالها بملء الفم أحد مدراء المؤسسات الإعلامية. طرقت "الحال" هذا الباب للكشف عن مدى استغلال مؤسسات اعلامية لحاجة خريجي الإعلام لفترة من التدريب لاكتساب الخبرة اللازمة للدخول الى معترك العمل الصحفي. 

عكرمة عصافرة تخرج من جامعة الخليل عام 2013، تخصص إعلام، تقدم لوظيفة مصور خصصت للخريجين في إحدى المؤسسات الإعلامية، يقول: "عرض علي راتب شهري 1200 شيقل، هذا المبلغ الزهيد جعلني اعرف سبب توجههم للخريجين بالذات، فنيّة الاستغلال واضحة،  قبلت العمل معهم 4 اشهر لحاجتي لشهادة الخبرة، وحين اعلنت محطة اذاعية عن رغبتها في توظيف مذيع، قدمت اوراقي ووافقت المحطة على توظيفي، فقدمت البرامج والتزمت بالدوام الرسمي في الإذاعة من 9-3 يوميًّا، لكنني تفاجأت بعد شهر بقرار مدير الإذاعة انني تحت التدريب وليس التوظيف، فتركت الإذاعة".

خريج الصحافة المكتوبة ( ع. ج) من رام الله الذي فضل عدم ذكر اسمه، بقي عامًا ونصف العام دون وظيفة، ما اضطره للعمل تلك الفترة لدى احدى المؤسسات الإعلامية دون أي عائد او مردود مالي، ذات الأمر تعرضت له طالبة الإعلام (ح. ب)، حيث عملت في محطة اذاعية لشهرين، تعرضت فيهما للاستغلال. تقول: "كنت اعمل ساعات عمل طويلة دون أي راتب او حتى تقدير".

معاناة الخريجين المتدربين  في المؤسسات الإعلامية التي تستغل حاجتهم لفترة التدريب ظاهرة لا يمكن اغفالها، يقول مدير عام إذاعة وتلفزيون النورس من الخليل خالد مسودي: "لا ينحصر الأمر في قطاع الإعلام فقط، فهذه ظاهرة عامة في أغلب المؤسسات لأن أرباب العمل يبحثون عن مصلحتهم، فيما الخريج الجديد لا يمتلك الخبرة الكافية او المناسبة التي تؤهله للحصول على الوظيفة، وهو بحاجة لتحمل الصعوبات في بداية المشوار، والخبرة العملية للخريج بمثابة درع الحماية من أي استغلال قد يواجهه من قبل أي مؤسسة اعلامية على صعيد عدد ساعات العمل او العائد المادي مستقبلا".

ويرى مسودي أن اعتبار الخريج بمثابة ضحية امر مبالغ فيه، يضيف: "أحيانا المؤسسة الإعلامية المحلية هي من تضحي ببعض وقتها من أجل اعطاء الخريجين الفرصة لإثبات انفسهم، فنحن مثلاً، اتفقنا مع 24 خريج إعلام على انتاج برامج وتقارير إخبارية، مقابل تسديد بدل مواصلاتهم، وتعيين من يثبت نفسه في العمل، لكننا واجهنا عدم التزام بالمواعيد او التقيد بسياسية المؤسسة، حتى ان بعضهم رأوا انفسهم مؤهلين ولا يحتاجون للتدريب، فنتجت عن ذلك عدة مشاكل من بينها تخريب كاميرات، حتى من اخترناهم للعمل لا يعرفون ان القانون يعطينا حق تجربتهم 3 أشهر،  ناهيك عن مطالبتهم بسقف راتب اكبر بكثير من حدود مجهوداتهم او حتى امكانياتنا، ما يعني عدم علمهم بحقوقهم او واجباتهم، واعتقد أن مسؤوليات تعريف الخريجين بحقوقهم وواجباتهم تقع على نقابة الصحفيين بشكل رئيسي".

ويقول مدير عام شركة راية للإعلام والنشر سامح حمدان: "اعرف موظفين يعملون في إذاعات محلية ولهم عامان وثلاثة اعوام ولا يتقاضون راتبًا، لدرجة ان مدير المحطة يخبرهم أن عليهم  جلب إعلانات ليتمكنوا من الحصول على رواتبهم".

وقال مدير عام قناة الفلسطينية الإعلامي ماهر شلبي: ان قناته تعتمد على الشباب وعلى الخريجين الجدد وتقدم لهم معاشات جيدة جدا، وانه على استعداد  لعرض اوراقه المالية لإثبات ذلك، مرجعًا سبب ذلك إلى ان" الخريجين الجدد هم من يملكون كفاءة التكنولوجيا ووسائل الاتصال الحديثة، فما عاد يكفي اليوم ان تكون صحفيًّا ماهرًا إذا لم تتقن استخدم التكنولوجيا،  لذلك فهناك شباب خريجون يعملون في القناة يتقاضون (2000– 3000) دولار، لأن كفاءتهم فرضت مقدار رواتبهم، ولنفس السبب فإن خريجين آخرين بدأوا لدينا براتب 700 دولار، وخلال شهرين أو ثلاثة اشهر زاد راتبهم عن 1300 دولار".

ويرى أستاذ الاعلام محمود فطافطة أنه وفي ظل محدودية المؤسسات الإعلامية وازدياد عدد خريجي طلبة الإعلام سنويًّا، فإن التنافس على هذه المؤسسات يأخذ صورة حادة، تصل أحيانًا للابتذال من قبل الخريج والمساومة من قبل صاحب المؤسسة "هذه صورة حقيقية للاستغلال من قبل مؤسسات أصحابها (تجار الإعلام) جشعون وانتهازيون".

ويتفق منسق المتابعة والتقييم في مركز تطوير الاعلام- جامعة بيرزيت الصحفي عماد الأصفر مع كل من أكدوا ظاهرة استغلال الخريجين ويقول: "الكثير من المؤسسات الاعلامية المحلية الخاصة تبث تقارير ومناشدات وتحقيقات حول ضرورة ضمان حقوق العاملين وتطبيق الحد الأدنى من الأجور وتشغيل ذوي الاحتياجات الخاصة، غير انها هي نفسها غير ملتزمة بقانون العمل الفلسطيني ولا تطبقه، ويتم في تلك المؤسسات استغلال الخريجين الجدد وتشغيلهم كمتدربين لفترات زمنية طويلة، وهذه مأساة".

واعتبر مدير البحوث والسياسات في مركز مسارات الكاتب الصحفي خليل شاهين أن استغلال بعض المؤسسات الأهلية للشباب يتم في قطاع غزة بشكل اكبر مما هو عليه في الضفة، لكثرة الخريجين وانحصار الفرص، "يضطر الخريجون للعمل تحت شعار برامج تشغيل مؤقت وطارئ، شهرين وثلاثة اشهر وتغطية أخبار وفعاليات تلك المؤسسات، ثم يتم تسريحهم قبل ان يحين تثبيتهم وفق قانون العمل، ولا يتم صرف الرواتب او المكافآت لهم، وإن صرفت فتكون مبالغ ضئيلة، وسبق ان استمعت لعدة حالات مشابهة، الأمر الذي يتطلب اهتمامًا خاصًّا من نقابة الصحفيين الفلسطينيين لدراسة الأمر لتتم معالجته كي لا يبقى الخريجون عرضة للاستغلال البشع". يقول شاهين.

وقال نائب رئيس نقابة الصحفيين الفلسطينيين ناصر أبو بكر: "معالجة قضية استغلال الصحفيين الجدد تتطلب جهدًا مشتركًا من النقابة ووزارة الإعلام والكليات الإعلامية في الجامعات الفلسطينية، لتكون هناك مساقات تدرس في الجامعات، ورفعنا للاتحاد الدولي للصحفيين مذكرة بخصوص ذلك، وعقدت ورشة لعدد من الدول العربية ضمت عددًا من الجامعات الفلسطينية، تم حثهم عبرها على اهمية تدريس المساقات العملية في الجامعات، ناهيك عن قيامنا بعقد عدة ورشات ولقاءات مع الطلبة في الجامعات لتعريفهم بالنقابة وحقوقهم وغيرها".

ويضيف: "نحتاج قوانين وأنظمة توضح العلاقة بين الخريج والمؤسسة الإعلامية، لأن عدم وجود رادع قانوني سهّل على اصحاب المؤسسات الإعلامية انتهاك حقوق العاملين لديها، والنقابة تدرس امكانية مطالبة وزارة الإعلام بإلزام أي مؤسسة اعلامية تريد الترخيص ان يكون كل العاملون فيها يعملون بعقود، الأمر الذي سيحد من استغلال الطلبة والخريجين".

ويختم نائب رئيس نقابة الصحفيين الفلسطينيين: "التقرير السنوي الذي تصدره النقابة يرصد انتهاكات ادارات المؤسسات الإعلامية لحقوق الصحفيين والعاملين في هذه المؤسسات وإن كان ذلك دون تفصيل، لأنه لا يمكننا مرحليًّا فتح معركة مع المؤسسات الإعلامية، دون أن تتوفر لدينا القوانين والأنظمة التي تحدد ذلك، التي بالاستناد عليها تتم محاسبة المؤسسات الإعلامية التي تنتهك تلك القوانين".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018