بالأربعة

كان عام 1979 المرة الأولى التي نرى فيها علمنا يصمد فوق مسجد البلدة لبضع سويعات، قبل أن تصل دورية احتلال، وتطلب من الحاج طاهر الصعود لإنزاله. شاهدناه خلسة من باب الزقاق، ولم تسعفنا طفولتنا الغزل والافتتان به، ولا الاستمتاع بتمايله مع الريح، فقد أجبرتنا أمهاتنا على الاختباء من وجه الجنود.

بعد أعوام قليلة، صارت الراية تُرسم بالفرشاة اليدوية في جوف الليل على الجدران، وتبدو عليها علامات السرعة، ويتذيلها توقيع لـ"فتح" وأخواتها. وما إن يشق الفجر خطاه، إلا ويخشى أصحاب البيوت على أنفسهم، فيسارعون لمحو آثارها بالتراب المخلوط بالماء، أو بالشيد الناصع.

في أوج بحر الدماء بصبرا وشاتيلا عام 1982، جرب أخي علاء ورفيقه صنع رايات من ورق، مستغلا غياب أبي، ونشروها في ساحة المنزل بين الملابس، لكن الخوف جعلهم يتلفونها بسرعة قبل أن تجف،  لتخرج بكامل أناقتها.

كنا نتحلق حول مذياع أسود لالتقاط بث صوت الثورة الفلسطينية من بغداد، ونستمع لأغانِ وطنية حُفرت على جدران قلوبنا، منها: "والله شفتك يا علمي، زينة رايات الأمم..."، قبل أن ينقطع البث بجرعات التشويش المتعمد.

بالتدريج، صرنا نشاهد علمنا لفترات أطول، ومع اشتعال انتفاضة الحجارة، ازدهر عصر صناعة الرايات، كان الشبان الأكبر ينقلون لنا سر الصنعة: "عليكم إحضار القماش بشكل منفرد، أحدكم يتولى لفة الأحمر، والثاني يتكفل بالأبيض، وثالث يتعهد بأمتار الأخضر، والرابع يؤمن أمتار الأسود؛ لأن الجمع بينهما والمشي في أسواق المدينة، سيجعل حاملها هدفًا سهلاً للاعتقال.

كنا شهود عيان على حياكة راياتنا في المشاغل السرية، وسط إجراءات أمنية. الفتيات بذلن جهدًا أكبر في السهر، وأخفين الأعلام في أماكن لا تصلها العيون، وبعد أن يُطلق سراحها من مخابئها تفوح ببرودة الأرض، وكأنها تبوح عن مدفنها. البعض لم يصب في صنع الرايات أو حملها، فظهر وكأنه يروج للسودان الشقيق، فالأسود مكان الأخضر.

وقتها، لم تعرف أفئدتنا ولا عقولنا أن رايتنا عريقة منذ النصف الأول من القرن العشرين، واستخدمت في إشارة للحركة الوطنية عام 1917، وأعيد تبنيها في المؤتمر الفلسطيني بغزة عام 1948. واعترفت بها الجامعة العربية، ونصت عليها المادة (27) من الميثاق الوطني، ومع انطلاق الثورة عام 1965 اتخذت شعارًا لها، وفي عام 1988 تبنتها منظمة التحرير لتكون علم الدولة.

مع اشتداد لهيب هبة الحجارة، راحت الأعلام تدخل في خط المواجهة، فهي كصحافة الجدران الوطنية المصنوعة من الطلاء، والأكثر دهشة إصرار المقاومين على زرع الرايات في ملابسهم في أوج الاشتباك، ثم انتقل العلم لأيقونة للشهداء، كان في الغالب يغطى ببقع الدم، وكان هو الممثل الوحيد للكل الفصائل والمذاهب، حين يطوف الجثمان الملفوف بالألوان الأربعة.

بالتدريج شهدنا زمن أوسلو، وفيه راجت الأعلام ولم تعد عرضة للملاحقة، وأصبحت تزين المباني العامة، وتحت ظلها ينشد التلاميذ حبا وطمعاً بفلسطين الحرة مطلع كل شمس.

قبل عقد، وخلال زيارتنا لمقري الجمعية العامة للأمم المتحدة في يورك الجديدة وجنيف، فتشنا عن ألواننا الأربعة فلم نجدها، شعرنا وقتئذ بالضيق، لأن رايتنا ليست مجرد قطعة قماش تصمد فواق سارية وتحريكها الريح حيث تشاء، بل هي كلمة سر أو علامة فارقة لشعب وثورة وقضية.

ومع اندلاع انتفاضة الأقصى، تسلسلت رايات الفصائل الملونة، وأضعفت العلم الواحد، وصار كل حزب يفرح برايته. في الورقة الأخيرة من أيلول، قبل أيام، سقط الحظر عن علمنا، فصار "زينة رايات الأمم" بالفعل، وبدأ برشاقته وخفه روحه يمنح الجمال لضفة النهر الشرقي في "منهاتن" والبرج الزجاجي الطويل لـ"بيت العالم"، ليخفق بانتظار أن يعلو أسوار القدس العتيقة، وينهي زمن الأزرق والأبيض.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018