اللحاق بالقبيلة الأوروبية أم الشفاء منها؟

خلال النصف الأول من حياتي )أبلغ الآن 74 سنة من العمر (كانت كلمة "لحاق" تعني اللحاق بالغرب. بدأت تعني لي خلال عقد السبعينيات، أي قبل 40 سنة، اللحاق (قبل فوات الأوان) باستعادة ما هو غالٍ (لكن مغَيَّب) فينا وفي مجتمعنا وحضارتنا والبدء بالعيش وفق هذه القيم في حياتنا، والذي يتطلب بالضرورة الشفاء من أوهام وخرافات حديثة معششة في كلمات مؤسساتية وتصنيفات أكاديمية، كما يتطلّب في نفس الوقت استعادة كلمات ومعانٍ وإدراكات تستمد معانيها من الحياة ولها جذور في المكان والمجتمع والحضارة. هذه الاستعادة وهذا الشفاء شكّلا محور حياتي وفكري منذ السبعينيات. بعبارة أخرى، بدأ التحوّل الجذري في حياتي حين بدأتُ أسعى للتوقف عن اللحاق بالقبيلة الأوروبية والسعي بدلا من ذلك لاستعادة مقوماتنا الذاتية ومصادر القوة والعافية فينا والتي طُمِسَت واحتُقِرَت بفعل أيديولوجية الاستهلاك. وجدت نفسي بدافع حدسي فطري أزداد قناعة أن الطريق نحو المستقبل يبدأ باستعادة علاقتي مع الماضي، مع ذاتي وواقعي ومجتمعي وحضارتي، التي تمثّل جميعا مناعتي الداخلية التي تساعدني على التخلص مما هو معيق فينا، وكأساس متين يجعلني أكتسب دون خوف ما أرغب باكتسابه من حضارات أخرى.
 

الوضع الحالي حول العالم لم يعد يتحمّل أن نستمر في حالة التخدير والوهم السائدة. عالم الإنسان الداخلي يتحطم والنسيج المجتمعي يتمزق؛ الهواء والمياه والتربة تتلوث؛ معظم ما يدخل أمعدتنا وما يدخل عقولنا يسممنا ببطء. يشكل التعليم الرسمي (خاصة عبر رياضيات وعلوم القبيلة الأوروبية) أداة رئيسية في نشر أيديولوجية الاستهلاك وهمجية رأس المال. ما يحدث ليس ناتجا عن جهل بل عن علوم لا ترتبط بالحكمة؛ علوم عرّفها "فرانسس بيكن" (أبو العلم الحديث) بأنها إخضاعٌ للطبيعة، بينما صاغها عالم آخر في القبيلة الأوروبية (داروين): البقاء للأصلح. ضمن القبيلة الفلسطينية العلم يعني العيش وفق الطبيعة، والبقاء للأضعف. دودة الأرض التي غذّتْنا آلاف السنين هي أضعف المخلوقات، نقتلها بما أنتجته علوم القبيلة الأوروبية. ننظر إلى اينشتاين كقدوة رغم أنه أكبر إرهابي في التاريخ إذ هو الذي أقنع روزفلت بصنع القنبلة الذرية واستعمالها على مدن مأهولة!

كلمة "قبيلة" كما أستعملها هنا تشير إلى مجموعة من الناس مرتبطة بمكان وتاريخ مشترك عبر فترة زمنية طويلة. استعمال كلمة حداثة وعالمية في وصف القبيلة الأوروبية يُعْمينا عن رؤية حقيقة أن معرفتها محلية. ليس من السهل التخلص من الاعتقاد بأن ما هو غربي عالمي، والتخلص من أن التقدم على صعيد الأجهزة والأدوات هو تقدم على صعيد الحياة.

تماما كما تحتاج أجسامنا إلى تنقيتها من مواد ضارة تسببها الأطعمة المصنعة، تحتاج عقولنا إلى تنقيتها من إدراكٍ وأفكار ضارة تسببها كلمات ومعارف مصنّعة. تَجَنُّب ما هو مصنّع يسهم في هضمٍ سليم وفهمٍ صائب؛ فالهضمُ للجسم كما الفهمُ للعقل.

نعيش كفلسطينيين منذ عقود تحت ظل الاحتلال العسكري لأرضنا، ويبدو أننا نغفل احتلال العقل والإدراك. فبينما يتمّ الغزو الأول بواسطة دبّابات عسكرية يتم الثاني بواسطة دبّابات فكرية (حرفيا think tanks ).

لذا، أرى من الأهمية بمكان أن يكون في كل جامعة فلسطينية "مركز دراسات القبيلة الأوروبية"؛ فمعرفة الجذور الفكرية لهذه القبيلة (بما في ذلك علومها ورياضياتها) ضروريٌّ لفهم المستنقع الفكري الإدراكي الذي نجد أنفسنا فيه، وكيف نخرج منه.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018