الفيس بوك: نصف يفهم الحرية غلط ونصف آخر يفهم الغلط حرية

عنوان مبالغ فيه جدا ومنقول. وهذا اصبح شيئا عاديا لان الفيسبوك يعلمنا اولا المبالغة والتهويل وتحويل كل شيء الى استهزاء، وثانيا سرقة افكار الآخرين والاكتفاء بكتابة منقول دون ذكر منقول عمن، وثالثا التفكير والكتابة بطريقة التغريدات كما افعل هنا معتديا على الانماط الكتابية التقليدية، تعدي العاجز وليس الكاره لها.

عادة ما يعاقب الملتزم او الاشد التزاما بالاحرى في حين يكافأ المقصر، فمثلا من يحضر في موعده لحفل او ندوة يعاقب بجعله ينتظر وصول البقية، شكرا لمتحف محمود درويش الذي يبدأ فعالياته في موعدها مهما كان عدد الحاضرين. وعندما يدفع الملتزمون ما عليهم من اقساط وضرائب في موعدها المحدد يكافأ المتأخرون باعطائهم خصومات مجزية لتشجيعهم على الدفع فيستفيدوا مرتين: مرة من فترة السماح الطويلة التي اخذوها، ومرة ثانية من الخصومات التي نالوها دون وجه حق، شكرا لمن يعطي خصما  للذين يدفعون اولا. 

عندما نقول ان غياب المجلس التشريعي ادى الى إضعاف جهود مكافحة الفساد يتخيل لنا ان المجلسين السابق واللاحق قبل ان يغيب قد برعا في هذه الجهود. والحقيقة ان وجود المجلس من عدمه لم يشكل علامة فارقة في جهود مكافحة الفساد، بل ان الفساد موجود في تركيبة ونشاط ومهمات ورواتب واداء النواب كما هو موجود في المؤسسات العامة والاهلية والخاصة، ومع ذلك فالعبارة وهي منشورة على عشرات اليافطات الكبيرة صائبة نظريا على الاقل. 12 محاميا متدربا من بين 13 لم يعرفوا بوجود قانون فلسطيني اسمه قانون الكسب غير المشروع الذي استعيض عنه عام 2005 بقانون مكافحة الفساد.

غياب المجلس التشريعي سيئ وكذلك الانقسام سيئ ولكن هذا الاخير ليس المسؤول الوحيد ولا الرئيسي عن تدهور احوال الصحافة والحريات الاعلامية، هل كان حال صحافتنا وحال الحريات أفضل قبل الانقسام؟! اعتقد انه كان مشابها إن لم يكن اسوأ، على كل حال، في ظل الانقسام نشط اعلام كل فريق في تقصي وكشف عيوب الفريق الآخر فزاد تدفق المعلومات غثها وسمينها. شكرا لكل صحفي ما زال ممسكا على جمر المهنة ومحافظا على قواعدها واخلاقياتها وغير عابئ بحجم ما يحصل عليه من لايكات. 

الخصوصية الفلسطينية عبارة يدرج استخدامها وهي صحيحة بشكل كبير، ولكن استخدامها من قبل نقيضين يعني بالضرورة ان كلاًّ منهما يحاول تجنيدها لصالحه، وعليه بات لزاما تقييد حدود هذه الخصوصية وايجاد الحلول الابداعية لها، فمثلا بدل الضغط على الرئيس لتأجيل المجلس الوطني لماذا لا نضغط على الآخرين لحضوره، وبدلا من استخدام غياب التشريعي كذريعة لرفض اصدار الرئيس لقوانين بمراسيم لماذا لا تجري مناقشة هذه القوانين اولا واقرارها لتنظيم شؤون حياتنا الى ان ينعقد المجلس الذي سيكون لزاما عليه اعادة مناقشتها. 

قانون حق الحصول على المعلومات ما زال مسودة مقترحة تخاف السلطة من اقراره رغم انه سيكون لمصلحتها على اكثر من صعيد، فهو سيدفعها الى تنظيم وتصنيف معلوماتها ما سيقلل من عمليات تسريب الوثائق التي اصبحت شائعة هذه الايام، وسيسمح لها بحجب بعض المعلومات بشكل قانوني، وسيعطيها مهلة كافية للرد على اي طلب معلومات وسيساهم بشكل كبير في مكافحة الشائعات واكمال انصاف الحقائق، فضلا عن انه ضروري من اجل صورتنا وجدارتنا بالدولة والعضوية في مؤسسات النزاهة العالمية. 

يكاد الفارق بين الصحفي والمواطن يختفي، والسبب هو ان المواطن تمكن من رفع قدراته الاعلامية والتسلل الى معسكر الصحافة من بوابة الاعلام الاجتماعي، في حين قلت قدرات الصحفيين وانسحب كثير منهم من هذا المعسكر وأصبحوا مجرد ناقدين وناقلي اشاعات وأنصاف حقائق، ولم نعد نجد فرقا كبيرا بين الصحافي والمواطن، اعادة الاعتبار للصحافي وللصحافة لن تكون الا بتمايزهم عن بعض وهذا التمايز لن يكون الا بمسؤولية الصحافي عما ينشر. 

الحل الوحيد لمواجهة آفة الفيس بوك وما يرافقها من وسائل اعلام مضلل ومغرض لا يكمن الا في امرين اثنين هما: توعية الجمهور اعلاميا ليكون قادرا على قراءة الاعلام قراءة نقدية وايجاد وسيلة اعلام عمومية لا تتبع حكومة او رئيسا ولا تساءل الا من قبل برلمان او هيئة مستقلة ويجري تمويلها من الشعب مباشرة ويحظر عليها العمل في الدعاية التجارية.  

كاد الجدل حول جواز تأنيث منصب النائب يطغى على حقيقة اعتقال الاحتلال للنائبة خالدة جرار وأن يختصر التداعيات في مسائل السلامة اللغوية فقط، وإسهاما مني في مزيد من التشتيت، اقترح عليكم ان نتجادل في كيفية ولادة وترسخ هذا الانطباع السلبي لكلمة نائبة ولماذا تذكرنا كلمة "النائبة" بالمصيبة ولا تذكرنا بأنثى تمثل ناخبيها في برلمان، هل السبب قلة البرلمانيات في عالمنا؟ او حساسية زائدة لدى الناشطات النسويات؟ هل السبب مرتبط باداء ضعيف للبرلمانيات، علما أن اقرانهن من النواب ليسوا بأفضل؟ أم تلك الشعبية والاستحسان والشيوع لكل النكات التي تنال من المرأة؟

"السلطة المطلقة مفسدة مطلقة". لا نعلم على وجه اليقين من صاحب هذا القول المأثور ولكن المؤكد انه لم يفكر في تعدد السلطات كبديل عن السلطة المطلقة، ولم يفكر في تكريس اعتقاد عام بان السلطة على خطأ دائما وابدا، وفي ان المثقف يجب ان يكون معارضا للسلطة في كل شيء، ومن المأثور عن ابن تيمية قوله: ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد أكثر من الذي في إزالته.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018