الشباب والخلاص الفردي

تتعدد المؤتمرات والندوات والورشات العمل التي تناقش واقع الشباب الفلسطيني واستحقاقاته ومستقبله في ضوء المتغيرات الجارية في المنطقة العربية، وتحاول هذه اللقاءات رسم خارطة طريق للخروج بالشباب الفلسطيني من حالة التيه التي لازمته عقب الانقسام السياسي بين شطري الوطن، وفي الغالب ينجح المتحدثون في تشخيص أزمات الشباب الفلسطيني التي تبدأ بالاحتلال مروراً بالانقسام والثقافة الأبوية وغياب الديمقراطية الحقيقية عن الأحزاب والحياة السياسية في فلسطين.. الخ.

وهناك أسباب أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار سواء المتصلة بالنظام التعليمي ذي الطابع التلقيني الخالي من الإبداع، والذي يعزز من الصور النمطية القائمة على ثقافة تربوية تعزز من شيخ القبيلة ومكانته بناء على السن وخبرة السنين، لا على العقل وقدرته على الإبداع والابتكار، أو المرتبطة بالفهم الديمقراطي للمشاركة السياسية للشباب، حيث لا تزال نسب تمثيل الشباب في كافة المواقع والهيئات القيادية معدومة في ضوء سيطرة الثقافة الأبوية على الفكر الديمقراطي الذي ينظر القائمون عليه،  لمن هم دون الأربعون على أنهم أطفال.

في الغالب، تخرج هذه اللقاءات بجملة من التوصيات تحمل أسلوبي المناشدة والرجاء، كأن الحقوق توهب ولا تنتزع، وفي الغالب أيضاً فإن هذه التوصيات تبقى رهينة التغطية الصحفية والنشر لا أكثر، وربما رهينة صفحة التواصل الاجتماعي لأحد المشاركين.

هذا أقصى ما يمكن إنتاجه للأسف من الآف الورشات والمؤتمرات والندوات التي عقدت من مختلف مؤسسات المجتمع المدني على مدار عقد كامل من الزمن تحدث وشارك فيها الآف الشباب، إلا أن الحقيقة المرة التي يجب أن نواجهها بدون خجل أن كل ذلك الجهد المبذول والأموال المصروفة لم تنجح حتى اللحظة في تغيير الواقع ولو بنسب ضئيلة للأفضل، ويكمن السبب في كون الشباب الفلسطيني وعلى مدار أعوام خلت يعاني من نمط ثقافي استهلاكي فرضتها عليه منظومة القيم التي تبدلت وتغيرت وأصابها التشوه عقب مرحلة الانقسام السياسي التي تلخصت في هيمنة فكرة الخلاص الذاتي أو الفردي، على حساب الخلاص الجماعي، حيث باتت الهجرة عبر البحر هي الأمل المنشوذ والغاية الكبرى التي يحلم بها الشباب، الذين افتقدوا لمفهوم التضحية في ظل واقع مشوه تم إفساده لصالح الذات والأنا، حتى أطلق الراحل المبدع محمود درويش صرخته في "أنت الآن غيرك: (ما حاجتنا للنرجس ما دمنا فلسطينيين).

فكرة الخلاص الفردي هي أخطر ما يمكن أن يواجه شعبا، لأن ذلك يعني انهيارا لمنظومة القيم الناظمة للمجتمع وبالتالي يصبح هذا المجتمع برمته عرضة للإحباط واليأس والهزيمة من داخله.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018