الحكايات الشعبية حول المقامات... أساطير شكلت الهوية وحفظت التراث والثقافة

في شمال الضفّة الغربيّة، وتحديداً في قرية تلّ القريبة من مدينة نابلس، يقع على التلّة التي سمّيت القرية نسبة إليها، مقام "رجال الأربعين"، وهو مبنى صغير من الطوب القديم لا يذكر أبناء القرية عنه سوى اتصاله بأربعين من الرجال "الصالحين" الذين وفدوا إلى القرية وسكنوا فيه.

يتداول الأهالي العديد من الروايات التي لا يعرف أحد أيّها الأقرب إلى الدقّة، حيث يتحدّث مجملها عن قدسيّته. وحتّى الآن، حافظ عليه أهل القرية ببنائه القديم نفسه، تحيط به أنواع من الشجر المعمر، وكل من يزور المقام، يترك الشمع والكبريت والمعلبات فيه "عطيّة" لأبناء السبيل الذين يمكن أن يقصدوه.

يقول جلال حمد (69 عاماً)، أحد سكان القرية إنه "كان يسمع من والده أن من يزور المكان ولا يحافظ على نظافته، ويأخذ من داخله ما يتركه الناس، يتعرّض إلى الأذى". يتحدّث هنا حمد عن قصة إحدى النساء التي حملت معها معلبات من داخل المقام وتعرض منزلها إلى الأذى في اليوم التالي.

تكاد حكاية قرية تل تتكرر في معظم القرى الفلسطينية بتفاصيل مختلفة، المقام والشجرة والبئر المباركة التي يتبارك بها أبناء القرية، المريض والفقير والعاقر وصاحب الحاجة والأمنية.

ويتحدث مدير مركز السنابل للدراسات الشعبية إدريس جرادات، وهو الذي عمل على مدار سنوات على جمع الروايات الشعبيّة لمقام الهدمي وأبنائه في منطقة الخليل جنوب الضفة الغربية، عن حكاية قريبة.

يقول جرادات "مقام الشيخ إبراهيم بن عبد الله الهدمي الكردي في منطقة الشيوخ، مقام مهيب الجانب لا يجرؤ أيّ شخص على الاعتداء عليه".

ووثق جرادات العشرات من القصص التي تتحدث عن الأشخاص الذين اعتدوا على قدسية المكان فتعرضوا إلى الأذى هم أو أحد أبنائهم.

تشكّل هذه الحكايات جزءاً أصيلاً من الموروث الثقافي الفلسطيني، كما يقول خبير التراث والحكايات الشعبية في فلسطين شريف كناعنة، وعاملاً مهماً في الحفاظ عليه، حيث صنفها على أنها أسطورة.

ويقول كناعنة: "الأسطورة هي نوع من الحكاية، وتختلف عن الخرافة التي لا أساس لها من الصحة، كون فيها بذرة صغيرة من الحقيقة التي أضيف إليها الكثير من المبالغات عبر الزمن".

ويضرب كناعنة مثلاً على الأسطورة المتعلقة بأسماء العائلات والقرى الفلسطينية، حيث لكل اسم عائلة أو قرية أسطورة ارتبطت بها، ويتداولها أبناء القرية أو العائلة، وفيها القليل من الحقيقة والكثير من الخيال. ويقول كناعنة: "يحاول كلّ صاحب أسطورة أن يضيف الأمور الإيجابية إلى أسطورته".

يوافق حديث كناعنة في تفسيره لنشأة الأسطورة حديث جرادات الذي يقول: "ارتبطت هذه الأساطير بمعتقدات شعبية ودينية تتوارثها الأجيال جيلاً بعد جيل، وقد جاءت نتيجة التنوّع الثقافيّ والجغرافيّ لفلسطين. فكل الحضارات العالمية لها بقايا وجذور هنا، وكل مجموعة نقلت معها معتقداتها".

ويتابع جرادات: "ارتبطت أهم الأساطير الشعبية بالمعتقدات الشعبية الدينيّة والمقامات والمزارات. ففي فلسطين 500 مقام لكل منها أسطورته التي ارتبطت في أذهان المواطنين، فلا يستطيع أحد الاعتداء عليها، فكانت مركز أمانات للأموال والمواد الزراعية".

ويعيد جرادات أصل الأساطير لهذه المقامات، والتي تكون عبارة عن مبنى أو مغارة أو شجرة بلوط، أو عين ماء، إلى العامل الديني استناداً إلى الآية القرآنية: "إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون".

ولا تزال هذه الأساطير منتشرة حتى الآن، على عكس الخرافة التي تكاد تختفي. ويفسر كناعنة ذلك قائلاً: "يختفي الكثير من الفلكلور الثقافي حالياً نتيجة تغيرات الحياة، ولكن هناك نوعين من الفلكلور يزدهران في كل العالم، وهما الأسطورة والنكتة". والسبب كما يقول، أن الأسطورة يمكن سردها في شكل سريع، ولا تحتاج إلى إطار محدد، ويمكن أن تسرد في أي مكان، ووجود هامش من الحقيقة فيها يجعلها مقبولة لدى الناس، إلى جانب أن الأسطورة عدوانية بطبعها، والبشر في شكل عام لديهم ميول إلى التعبير عن عدوانيتهم، وهو ما يجعلها محببة لديهم ويتداولونها كثيراً.

وبالعودة إلى تفسير أصل هذه الأساطير، يقول كناعنة إن "طبيعة البشر لا تقبل الغموض، وتبحث في شكل تلقائي عن سبب التسميات، ويمكن أن يكون هناك تفسير واقعي للظواهر والأسماء والألقاب، ولكنه غير معروف، ومن هنا يبدأ الناس بتفسير كل اسم أو قصة بما يخدم مصالحهم وأهدافهم، وتدريجياً يتبلور شيء من الإجماع التي يقبله الناس".

ويوضح كناعنة أنّ هذه الأساطير لا تظهر فجأة، ولا مرة واحدة، وإنما تنمو وتتطوّر عبر الزمن.

وحول تشابه هذه الأساطير بين قرية وأخرى، يقول كناعنة: "هناك طريقة واحدة للتفكير بين أبناء المجتمع الواحد، والثقافات المتشابهة وتقريباً البيئة نفسها، وموروث ثقافي واحد، وتفكير المجتمع فيه كثير من القواسم المشتركة، وبالتالي تفسيرات الناس للظواهر مشتركة".

ويضيف: "إنّ إنتاج هذه الأساطير وتأثّرها بالثقافة وطريقة التفكير يحافظان على الثقافة الفلسطينية واستمراريتها، فهي تؤخذ من الماضي وتنقل إلى المستقبل مثلها مثل باقي التراث".

جعلت هذه الأهمية وزارة الثقافة تولي هذه الأساطير، كجزء من الحكاية الشعبيّة، أهمية، كما يقول مدير عام التراث في وزارة الثقافة يوسف الترتوري.

ويشرح الترتوري ذلك قائلاً: "قمنا في وزارة الثقافة ببرنامج لجمع التراث الثقافيّ غير المادي، وتوثيقه في السجل الوطني للبرنامج الثقافي غير المادي، والذي يعنى بتوثيق التراث الشعبي وتصنيفه حسب المعايير المتبعة عالمياً، معتمدين على النموذج المصري والمغربي كونه الأقرب فلسطينياً".

إلا أن هذا البرنامج، كما يقول الترتوري اعترضته عقبات: "كان من المقرّر أن يتم افتتاح السجل إلكترونياً في عام 2015 للجمهور والباحثين والمتخصصين، ولكن لأسباب كثيرة في مقدمتها الأسباب المادية، لم نتمكن من الانتهاء منه في الموعد المحدد".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018