في تجمع فلسطيني اسمه "جل البحر" ترك المدرسة حلم الاطفال للعمل والحصول على هجرة غير شرعية

 

"جل البحر" منطقة جغرافية على شاطئ مدينة صور اللبنانية، غير معترف بها جغرافياً من قبل الدولة اللبنانية أو الأونروا، بحكم أن الأراضي التي يقيم عليها اللاجئون إما ملك للدولة اللبنانية أو أملاك خاصة، واللاجئون المقيمون في تلك التجمعات مهددون وبشكل دائم بالطرد من قبل أصحاب الأرض او الدولة اللبنانية نفسها.

ومأساة هذا التجمع انه لم يصنف على انه مخيم وبالتالي لا تصله خدمات الأونروا، لأن المخيم حسب تعريف الاونروا: هو قطعة من الأرض تكون إما حكومية أو في أغلب الحالات استأجرتها الحكومات المستضيفة من الملاكين المحليين، وضعت تحت تصرف الأونروا كمساعدة للاجئين الفلسطينيين في تسهيل احتياجاتهم الأساسية، ولا يمكن لسكان المخيمات تملك هذه الأراضي، ولكن لهم الحق في الاستفادة منها للسكن.

 

 

مأساة تعليمية

وبدل ان يحمل اطفال هذا التجمع البشري الاقلام والدفاتر المدرسية، فإنهم يتسربون من المدرسة مبكرا ويذهبون الى الصيد في البحر الذي يقف على عتبات منازل الصفيح التي يقطنونها. فتجد  العشرات منهم تشكل شباك الصيد عالمهم في هذا التجمع الذي تم إنشاؤه في العام 1954 ويعتبر من أكثر التجمعات الفلسطينية تهميشاً.

ويبلغ عدد سكان "جل البحر" حوالي 2500 نسمة على مساحة بطول 2 كم وعرض يتراوح بين 75-300 متر وفيه 340 منزلاً. سكانه من الطبقة الفقيرة، أما البيوت فهي من ألواح الصفيح، البارد في الشتاء والحار في الصيف، لا توجد فيه مدارس، والأطفال يذهبون الى المدارس المتواجدة في مخيم البص الذي تربطهم بأهله رابطة الأخوة، فهم يواجهون مشقة في الوصول الى المدرسة. والأهل غير مبالين بتعليم الطفل، فعدد كبير منهم غير متعلم وليس لديهم المال الكافي لكي يخصصوا لطفلهم أستاذاً خصوصياً في المنزل او حتى ليس لديهم المال الكافي لتعطيه كلفة التنقل من التجمع الى مخيم البص.

 

الشوارع هي عالم الطفولة الدائم

لا يوجد جمعية تساعد أطفال هذا التجمع في الدعم الدراسي كما هو الحال في باقي المخيمات، ولا حتى نادٍ للترفيه، فنادي الطفل هو الشارع الذي توفي عليه أكثر من طفل وهم في طريقهم الى المدرسة، والنادي الثاني –مجازًا- المخصص للعب هو شاطئ البحر، حيث تكون سعادة الاطفال في قمتها خلال فصل الصيف. أما في الشتاء فلا بديل سوى البيت الذي يتألف من غرفة واحدة يعيش فيها عدد كبير من أفراد الأسرة. والنتيجة طفل لا يعرف كتابة اسمه في عصر أصبحت فيه الامية تتعلق بالانترنت وليس الكتابة باليد والقراءة العادية التي يحرم منها جيل كامل في "جل البحر".

الطفل (محمد) لم يكن يتجاوز العاشرة من عمره حين ترك المدرسة، تركها وهو لا يعرف كتابة اسمه، كل يوم يذهب الى المدرسة وكأنه لم يذهب إليها، جسدياً هو في المدرسة، ولكن عقلياً هو في المنزل تلازمه صورة إخوته الأصغر منه سناً، فقد والده نتيجة حادث سير، والدته لا تعمل وتنتظر المعونة من اصحاب الايادي البيضاء، وواقع محمد الاجتماعي لا يختلف عن مئات الاطفال في هذا التجمع الفقير والمهمش.

بعد تركه للمدرسة ذهب لكي يتعلم صنعة ما ولكنه لم يستمر فيها سوى بضعة أيام والسبب سوء المعاملة من صاحب المحل بالاضافة الى الاستغلال في انجاز بعض الاعمال الشاقة عليه كطفل.

أما الطفل (عمر)، فلم يكن يتجاوز الثامنة من عمره حين ترك المدرسة، تركها وهو لا يعرف ايضاً كتابة اسمه كان يستيقظ في وقت متأخر ويبدأ بنزهة بين الشارع والبحر، أهم ما كان يقوم به هو المشاكل مع باقي الأطفال وأحياناً مع الكبار، بالإضافة الى شرب النرجيلة. اما الآن فحاله تحسن نوع ما وأصبح لديه هدف وأمل يريد أن يعمل ويحصل على المال كي يحقق حلمه وهو الهجرة بطريقة غير شرعية للعيش في بلاد تحترم الانسانية وتقدر حق الطفولة الذي حرم منه الطفل الفلسطيني في الشتات.

قصص كثيرة للأطفال سمعناها وأحوال اشتكت منها الامهات والاباء، فهل من مجيب لهذه الاصوات اليائسة حتى من حق عودتها؟ سؤال برسم الاجابة من منظمة التحرير والسلطة الوطنية ووكالة الأونروا.

 

*من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجنة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018