عتب كبير على الإعلام الوطني: "غطوا ويلات ومآسي وقضايا شعبنا في لبنان"

 

يلعب الإعلام عموماً دور الوسيط بين الشارع والطبقة السياسية المسؤولة عنه، ينقل هموم وقضايا الناس الملحّة والمصيرية إلى السطح بهدف الإضاءة عليها والدفع بالسياسيين إلى حلها، أو محاولة حلها على الأقل.

ويحدث هذا في حالة مثالية، أما عندما يرتهن الإعلام لأجندات السياسيين كهيئات أو أفراد ويتحول شغله الشاغل إلى الحفاظ على صورتهم وتلميعها أو خدمة الأجندات السياسية التي ينتمون إليها، تصبح الحالة عكسية.

مراقبون ونشطاء واعلاميون رأوا ان الحالة العكسية هذه هو واقع الحال الان بين نصف مليون لاجئ فلسطيني في المخيمات الفلسطينية في لبنان مع وسائل الاعلام الرسمية والخاصة الموجودة دخل فلسطين.

ولا يبدو الإعلام الوطني الفلسطيني بعيداً عن هذه الحالة، بل يكاد يخلو –حسب رواده- من أي تغطيات لأخبار وقضايا وتقارير عن حياة وهموم ومعاناة الأهل اللاجئين في لبنان، هذا ما عبّر عنه الإعلاميون الفلسطينيون الذين طرحنا عليهم هذه المشكلة على اختلاف خلفياتهم والمؤسسات التي يعملون ضمنها.

 

ارتهان سياسي

يقول الإعلامي أيهم السهلي المحرر في فضائية فلسطين اليوم: "بطبيعة الحال الإعلام الفلسطيني مسيّس وقلّما نتعامل مع وسيلة إعلام فلسطينية تتبنى الوسطية في طرحها. وموضوع المخيمات كغيره من المواضيع ينسجم طرح أخباره مع رؤية وسيلة الإعلام. ويضيف السهلي: "مؤخراً استشهد شاب فلسطيني صعقاً بسبب شبكة الكهرباء والماء الفاسدة في مخيم برج البراجنة، في بيروت. إحدى وسائل الإعلام صبّت نقمتها على السفير الفلسطيني وحمّلته المسؤولية الكاملة عن الحادث، بينما انبرت وسيلة أخرى تابعة لفتح للدفاع عن السفير. في الحالتين هناك عدم التزام بمعايير المهنية الصحفية ومنها الحيادية".

ويورد السهلي مثالا آخر أكثر حساسية وهو موضوع مخيم اليرموك في سوريا الذي يعاني ويلات الحرب السورية منذ سنوات مضت، ويقول: "القنوات الفلسطينية والمجلات والجرائد غطت أخبار المخيم تبعاً للجهة الممولة لها، كون الأمر يتبع لمشكلة أكبر وهي الوضع السوري. في حين استخدمت قنوات لفظة حصار المخيم، استخدمت قنوات أخرى تعبير (إغلاق) دون الإشارة للجهة المنفذة وبررت هذا الإغلاق بوجود مسلحين. في المثالين يبدو وجع اللاجئ الفلسطيني في المخيم وهمّه خارج الاعتبارات الصحافية وأساسها الانحياز للناس بغض النظر عن الجهة المسبّبة، كحل يُخرج الإعلام الفلسطيني من الأزمة التاريخية المرتبطة بارتهانه إلى المال السياسي.

 

"أما الناشط الإعلامي في وكالة الشعلة للأنباء رضوان عبد الله فقد عبّر لدى سؤاله عن المشكلة من وجهة نظر أخرى فقال: "الإعلام الفلسطيني المكتوب في لبنان ضعيف جداً ولا يعبر عن هموم شعبنا، ومعظمه فصائلي ومسيّس ولا يوجد إعلام مستقل، إن كان مجلات أو جرائد أو حتى نشرات دورية وغير دورية، ولا توجد مواقع إلكترونية مستقلة. بالمحصلة لا يلبي الإعلام طموحات شعبنا ولا يغطي إلا نتيفات من همومه".

واضاف عبد الله: توجد نشرات دورية ومجلات تصدر عن فصائل فلسطينية إن كانت تابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية أو لقوى التحالف المعارضة لسياسة المنظمة أو حتى القوى والحركات الاسلامية ومؤسساتها، ولا تغطي الهم الفلسطيني إلا من زوايا سياسية ضيقة. هناك أيضاً بعض المواقع الفلسطينية التي تهتم باللاجئين الفلسطينيين ولكنها لا تغطي إلا الأنشطة والفعاليات الحزبية والتنظيمية والتي لا تعبر إلا عن شريحة اجتماعية محددة.

وتابع عبد الله: تلك المواقع لا تسلط الضوء على الهم الفلسطيني ولا على المعاناة الفلسطينية إلا ضمن حسابات ضيقة أو حتى ضمن مشاريع مسيّسة، وتدار وفقاً لسياسة التنظيم الذي تستمد منه الدعم المالي والكادر البشري"، مؤكدا اهمية ان يكون هناك اهتمام اكبر من الاعلام داخل الارض المحتلة بقضايا شعبنا في لبنان.

أما الإعلامي عماد مختار المحرر في جريدة السفير اللبنانية فقد عبّر عن هذه الإشكالية بقوله: "الإعلام الفلسطيني إعلام وطني يحمل أنبل قضية عرفها التاريخ، وعليه أن يلقي الأضواء ويسخّر كل امكانياته لفضح كافة المؤامرات التي تحاك ضد شعبنا، ومواجهة إعلام العدو الصهيوني. رغم ذلك لم يعر الإعلام أخطاء قياداتنا، من قادة الفصائل إلى المسؤولين المحليين في مخيماتنا، لأن كل وسيلة من وسائل إعلامنا الفلسطيني تنتمي إلى ممول مرتبط بأحد الفصائل.

ويضيف: اعلامنا للاسف أغفل قضايانا وأغفل خنوع المسؤولين في تحمل مشاكل شعبنا، إلى أن أصبحنا مهمّشين ودون مرجعية في قضايانا المستعصية. هم يتحركون فقط عند حدوث كارثة كبيرة، تهتز وسائل إعلامنا مخافة نقد أهلنا المسؤولين إن كانوا في السلطة أو في الفصائل، عندها يكون التحرك الإعلامي الفلسطيني لامتصاص غضب الشارع ليس أكثر.

اخيراً لا يمكن وضع التسييس والارتهان إلى الأجندات والمال السياسي مسبباً وحيداً لهذه الحالة التي وصل إليها الإعلام الفلسطيني الآن، ربما كانت المشكلة الأعمق والأكثر خطورة في غياب مفاهيم الحرية والاستقلالية عن العمل الإعلامي الوطني، فقضية الحرية هي قضية الإعلام دوماً يتخذها الإعلاميون أفراداً ومؤسسات معياراً وحيداً لعملهم وجوهراً لنضالهم، خاصة أننا في أمس الحاجة الآن لإعادة الاعتبار للمبادئ التي غرسها فينا رواد الإعلام الفلسطيني الأوائل أمثال ماجد أبو شرار وغسان كنفاني وغيرهم الكثير الذين لا تتسع لذكرهم هذه السطور القليلة.

 

*من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجنة

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018