تعليم الفلسطينيين في لبنان.. واقع مأساوي وحل مفقود

 

تتفاوت نسب إحصاءات الفلسطينيين المسجلين لدى الأونروا، ففي سجلها في لبنان يبلغ العدد في لبنان حسب احصائيات حزيران عام 2010 حوالي 427 الف شخص، يشكلون (10%) من المجموع العام للاجئين الفلسطينيين وما نسبته (10.5%) من مجموع سكان لبنان.

وترى مصادر فلسطينية أن الرقم المسجل لدى الاونروا، كان يضم لبنانيي القرى السبع المسجلين في الأونروا منذ العام 1948، وحصلوا على الجنسية اللبنانية ولم تشطب أسماؤهم من السجلات وعددهم يقارب الـ 50 ألفاً. كما يُنَقّص منهم نحو75 ألفاً لفلسطينيين حصلوا على جنسيات أخرى بعد مغادرتهم لبنان وقد شطبتهم الدولة اللبنانية من سجلاتها، ما يعني انخفاض العدد إلى أقل من 295 ألف لاجئ. وهذا العدد قابل للانخفاض وخصوصاً مع حركة الهجرة المستمرة والمتصاعدة للفلسطينيين من لبنان إلى الخارج. وفي السابق، نقل الباحث الفلسطيني حسين علي شعبان عن مصادر لبنانية قولها: إن عدد الشباب الفلسطيني الذين غادروا لبنان إلى غير رجعة يقارب 120 ألف نسمة.

 

واقع السكان

يعيش حوالي 52.61% في 12 مخيماً فلسطينياً رسمياً معترفاً بها من قبل الأونروا والدولة اللبنانية، هي: البص، وبرج الشمالي، والمية ومية، وعين الحلوة، والرشيدية، وشاتيلا، ومار الياس، وبرج البراجنة، ونهر البارد، والبداوي، وويفل (الجليل)، وضبية، موزعين على مناطق لبنان الخمس. بينما يعيش الباقي اي حوالي 47.29% خارج المخيمات، أيّ في المدن والتجمعات. ويختلف عدد اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لمصادر الاعداد، بالإضافة إلى نحو 44 تجمعاً سكانياً. 

وكانت وكالة الأونروا في الماضي تشرف على 16 مخيماً رسمياً، دمرت اربعة منها أثناء الحرب الأهلية اللبنانية ولم يتم إعادة بنائها من جديد، وهي: مخيم النبطية في الجنوب، ومخيما تل الزعتر (الدكوانة) وجسر الباشا في بيروت، والرابع مخيم جرود في بعلبك، الذي أجلي أهله عنه وتم نقلهم إلى مخيم الرشيدية في صور. وهناك ثلاثة مخيمات في منطقة البقاع تأسست بين عامي 1948 و1955 وتم إلغاؤها وتوزيع اللاجئين الفلسطينيين منها على بقية المخيمات، وهي القرعون، وغورو، وعنجر.

 

تراجع التعليم

فيما يتعلق بقطاع التعليم؛ فقد كان الفلسطينيون في لبنان من أكثر فئات المجتمع تعليماً في الحقبة التي أعقبت نكبة 1948 وحتى نهاية سبعينيات القرن العشرين. لكن، منذ خروج منظمة التحرير الفلسطينية من لبنان في سنة 1982 بدأت ظواهر التسرب من المدارس لدى التلاميذ من الفئة العمرية 10ـ17 سنة (المرحلتان المتوسطة والثانوية) تتزايد بسبب الاضطرار إلى الالتحاق بورش العمل لإعالة العائلة التي فقدت الزوج على سبيل المثال.

وهذه الحال ما زالت تتفاقم باطراد حتى اليوم. وبسبب ضمور سوق العمل للمهن اليدوية غير المدربة، فإن هذه الفئة العمرية تجد نفسها عالقة بين السعي إلى الهجرة (وهو خيار محدود)، أو الالتحاق بالفصائل المسلحة.

وتشرف الأونروا على تعليم اللاجئين الفلسطينيين عبر ادارتها لست وثمانين مدرسة تستوعب 40.459 طالباً حسب احصاء 31/12/2004 يشرف على تعليمهم 1.608 معلمين وموظفين. وتدير الأونروا المدارس الابتدائية والمتوسطة، ولا علاقة لها بمرحلة الحضانة، لكنها تموّل عددا قليلا من الروضات التي تعلم اللغة الفرنسية وذلك بدعم من المركز الثقافي الفرنسي. 

وحتى وقت قريب، لم تكن الأونروا توفّر الخدمات التعليمية في المرحلة الثانوية. لكن ظروف اللاجئين الفلسطينيين الصعبة وعدم قدرة الطلاب على دفع أقساط الدراسة الثانوية في المدارس الخاصة، دفعت الأونروا عام 1993 إلى بناء مدرسة ثانوية في بيروت ثم اتسعت الدائرة نحو الجنوب والشمال اثر سلسلة من التحركات المطلبية لتصل الى خمس مدارس.

وتوفّر الأونروا عبر "معهد سبلين للتدريب المهني" الذي افتتح في 2/10/1962 التعليم المهني والتقني لمن انهى المرحلة المتوسطة أو الثانوية في 19 اختصاصاً بينها الميكانيك والكهرباء والرسم الهندسي والمحاسبة والتجارة. لكن ليس للأونروا أيّ علاقة بالتعليم الجامعي الا بعدد قليل من المنح التي تحصل عليها من دول الاتحاد الاوروربي او قطر او اليابان، وتقدّم بنسبة قليلة منها ولبعض الطلاب وفق شروط معينة.

وتدير الأونروا العملية التعليمية عبر دائرة التعليم التي تشرف على عمليات تسجيل الطلاب ورعايتهم وتحديد المناهج واجراء الاختبارات والتفتيش على المعلمين والمدارس. ومدارس الأونروا معظمها مستأجر (42,1%) أيّ انها تفتقد المواصفات والمعايير المتعارف عليها لبناء المدارس. فهذه الأبنية تعرضت للقصف والاعتداء فدمّر عدد منها وتضررت غالبيتها. وتعاني هذه المدارس من نقص كبير في الوسائل التعليمية والايضاحية مثل المختبرات والمجسمات وأجهزة الكمبيوتر. وفيما مضى كانت الأونروا تؤمّن الكتب والقرطاسية للطلاب مجاناً ولا تستوفي رسوماً من الطلاب، لكن بسبب العجز في الموازنة قللت الأونروا من تقديماتها وفرضت رسوماً على الطلاب يذهب قسم منها لتأهيل المدارس، ويحوّل بعضها إلى المركز الرئيسي.

ويبيّن المسح الذي أجراه المكتب الفلسطيني للاحصاء والمصادر الطبيعية بالتعاون مع اليونيسف وأذيع عام، 1997 ان نسبة المنتسبين في المدارس في جميع المناطق هي 78,2% وتستقطب الأونروا 93% من مجموع طلاب المرحلة الابتدائية وحوالي 91% من طلاب المرحلة الاعدادية. ويظهر المسح ان نسبة التسرب بلغت 19% في المرحلة الابتدائية ترتفع إلى 30% في المرحلة الاعدادية. وجاءت نسبة حملة الشهادات الجامعية 4,2%، ترتفع للذكور إلى 6,4% وتنخفض للاناث إلى 2,2%.

أمّا المسح الذي أجرته مؤسسة FAFO عام 2000، فيبيّن ان مستوى التعليم منخفض لكل من الذكور والاناث. فثلاثة من بين عشرة لم يكملوا أيّ مرحلة تعليمية، نصف النساء والرجال اجتازوا المرحلة الأساسية من التعليم. والتحاق صغار السن بالدراسة يبدأ بالانخفاض عند إحدى عشرة سنة خصوصاً للذكور.

يفيد مسح FAFO أيضاً ان الأونروا توفّر التعليم لتسعة من بين عشرة ملتحقين، وتغطي نصف التعليم الثانوي. وحول نقص الاهتمام والمصاعب الاقتصادية التي تضغط على التعليم، أفاد مسح FAFO ان أربعة من بين عشرة تركوا الدراسة في المستويات التعليمية المتدنية لعدم التحفيز أو الحث، وفي المراحل التعليمية الأعلى تزداد أهمية العوامل الاقتصادية كسبب لترك الدراسة.

ويزداد الرسوب المتكرر في المراحل التعليمية المتدنية. اما عن الأمية، فيظهر المسح ان نسبة الأمية عالية، خصوصاً لدى النساء، حيث تصل إلى 9% لدى الذكور و22% من الاناث. والأمية متواجدة أيضاً بين الصغار، فنسبة 8% من الذين تتراوح اعمارهم بين 15 - 39 أميون.

ويعاني الفلسطينيون من عدّة مشاكل في قطاع التعليم أبرزها :

1- اكتظاظ الطلاب داخل القاعات الدراسية بشكل يؤدّي إلى استيعاب بعض الفصول لما يزيد على 45 طالباً، علما ان نظام التعليم الرسمي يمنع وجود اكثر من 35 تلميذا او تلميذة في الصف الواحد.

2- الترفيع الآلي للطلاب من الذين حصلوا على نسبة معينة من العلامات حتى لو كانوا راسبين فعلياً، ففي احدى مدارس مخيم عين الحلوة نجح في نهاية هذا العام 9 من اصل اكثر من  100 تلميذ في شعب الثامن الاساسي، اما باقي الناجحين، وهم الاكثرية، من الذين يتم ترفيعهم آليا.

3- تراجع كفاءة الكادر التعليمي بسبب التعيينات حيث يكون التعيين بالواسطة لا عبر الكفاءة والجدارة.

4- النقص في المختبرات ووسائل الإيضاح والمكتبات والملاعب وغيرها من اسس التعليم والتربية الحديثة.

5- عدم اهتمام الأهالي بأبنائهم وغياب رقابة المجتمع وفقر ثقافة مجالس الاهل.

وقد أدخلت الاونروا خلال الاعوام الخمسة الماضية برنامج التدعيم الدراسي ضمن عملها التربوية المغطى ماليا من الاتحاد الاوروربي، لكنه لا يلبي اسس ولا مضامين مواجهة المصاعب والمعوقات التربوية  والانحدار في مستوى التعليم للفلسطينيين في لبنان. وفي هذا المجال، لعبت بعض المؤسسات الأهلية دوراً مشابها او ببعض جوانبه داعما وموازيا لما تقوم به "الاونروا " في تطوير الواقع التربوي الفلسطيني، فافتتحت الجمعيات الأهلية دوراً للحضانة ومعاهد للتعليم ولمحو الأمية ولتعليم الكمبيوتر وللتدريب المهني، لكنها لا تلبي كل الطموحات التربوية الفلسطينية لضعف الامكانيات ونقص الكادر وضعف المناهج ولانعدام الخطط التربوية الناجحة التي من الممكن ان يقام العمل على اساسها.

ومن ناحية اخرى، يغطي صندوق الرئيس ابو مازن، والذي افتتح منذ بضع سنين بقرار من الرئيس ابو مازن وبتمويل من اغنياء فلسطينيين، جزءا يسيرا من التعليم الجامعي للطلاب الفلسطينيين في اكثر من جامعة وفي غير سنة دراسية، ولكن لا يغطي الاقساط كاملة للطلاب، بل ولا علاقة له بالسكن او بالمواصلات للطلاب البعيدين عن مكان الدراسة، وايضا لا يغطي اية مصاريف اخرى من قرطاسية او ثمن كتب وغير ذلك.

وفي خطوة متقدمة للوقوف على اوضاع التعليم للفلسطينيين في لبنان، استضافت سفارة دولة فلسطين في لبنان ورشة عمل تحت عنوان "آليات النهوض بالواقع التعليمي في مدارس الأونروا في لبنان"، وذلك في النصف الأول من العام الجاري بحضور كافة الأطر الشبابية الممثلة لجميع فصائل منظمة التحرير الفلسطينية وتحالف القوى الفلسطينية في لبنان؟ وكمقترحات للحلول بشكل منهجي وعلى المستوى الإستراتيجي، خلص المشاركون وكخطوات أولى إلى ضرورة إدراك جميع المعنيين لحجم المشكلة وتداعياتها على المستوى التعليمي وتأثيرات تراجع العملية التربوية على المستوى الاجتماعي والأمني من خلال الترويج الإعلامي، وأن تكون هناك زيارات تهدف لجمع معلومات واقتراحات توافقية لآليات التحرك والمتابعة تشمل الفصائل واللجان الشعبية والأهلية ووكالة الاونروا وسفارة فلسطين في لبنان والمؤسسات الأهلية ووزارة التربية والتعليم العالي، وأن يتم إعداد بحث ميداني علمي عن واقع التعليم في مدارس الأونروا وترجمته وتعميمه للدول المانحة والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الاسلامي يشير الى المخاطر الانسانية والامنية التي نتجت وتنتج وستنتج عن التراجع في العملية التربوية، وأن تكون هناك زيارات ميدانية لمدراء التعليم في المناطق، وزيارات ميدانية لمدراء المدارس،على ان يجري التقييم في كل خطوة والبناء عليها.

وللوقوف اكثر على هم ومصاعب تعليم الفلسطينيين في لبنان، كان لموسى نمر رئيس اتحاد العاملين بالاونروا وبعد ان تم التسريب انه قد اعلنت الاونروا عن نيتها لاعادة دمج بعض المدارس او صفوف بعض المدارس، وتسريح اكثر من مئة معلم ومعلمة، فقد قال ان "التشكيلات المدرسية لحد الخمسين طالبا سوف تشطب وسوف تعود الى تشكيلات العام الفائت. تم إبطال مفعول الدمج وحتى مشروع الخمسين طالبا"، بينما اكد أحد المسؤولين لصحيفة "القدس العربي" ان ازمة مشابهة عصفت بالاونرا في العام 2012 لكنها لم تكن بذات الحدة.

امام هذا الواقع الاليم، فان الشعب الفلسطيني، خصوصا في لبنان، مهدد أبناؤه بالوقوع في غياهب الامية والجهل ان لم تكمل الاونروا مهمتها بـ"اغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين بالشرق الادنى"، حسب القرار الأممي الذي أوجدها ونص على ذلك، ويبقى على القيادة السياسية والمرجعيات الفلسطينية كافة أن تأخذ دورها الكامل بحماية الفلسطينيين من الانحراف نحو الجهل والتطرف والامية والانهيار.

 

*كاتب وباحث وإعلامي فلسطيني مقيم في لبنان

من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجن

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018