"المصنع.. يجمع"

 

 تتعدد قصص المعاناة والالم التي عاشها اللاجئون الفلسطينيون في سوريا في ظل الازمة التي عصفت بالبلاد. احد فصول العذاب نرويها هنا عن ام فلسطينية لاجئة تشردت بناتها والتقت بهن في منطقة تدعى "المصنع" على الحدود اللبنانية السورية بعد اربع سنوات من الغياب، التقت بهن اللقاء الاخير.

خضرة الذيب امرأة فلسطينية من مواليد القنيطرة السورية تزوجت من ابن عشيرتها معروف الصالح وانجبت منه ستة اولاد (ولدين وأربع بنات).

كانت الازمة السورية كفيلة بتشريد تلك العائلة، حيث قالت ريم وهي الابنة البكر بين اخوتها: لم اتوقع ان يصل بي الزمن واخوتي الى هذه الحال، تشردنا كل واحد ببلد، حتى اختي اسماء اخر العنقود ذهبت الى الاردن وزوجها، اما انا واخوتي رابعة (32 سنة) واحمد (23 سنة) ومحمد (30 سنة)، فقد أتينا جميعا الى لبنان، عايشنا مرارة وقسوة اللجوء بجميع اشكاله. 

سكنت ريم وأولادها في الصيف بغرفة هي صف لتعليم اولاد الروضة، ولكن اولادها عاشوا حالة من الدهشة على الحال وصعوبة في التأقلم لان المقعد الذي تعودوا ان يكون للدراسة اصبح فجأة للنوم والماكل والمشرب، ومع بداية العام الدراسي اضطرت للانتقال الى بيت اخر، بيت سقفه من حديد ولكن ايضا عاش الاولاد صعوبة في التأقلم فصوت المطر الهادئ الذي كان مثالا للروعة والتفاؤل قبل الازمة السورية تحول الى زخات من الرصاص واصبح يدب الرعب في قلوبهم، ولكنهم تأقلموا، احمد ومحمد سكنا في بيت قوامه غرفتان صغيرتان لتؤوياهما.

معروف الصالح الوالد والمربي بعدما كبر ابناؤه ورباهم وفرح بهم، جاءت تلك الحرب لتفرض قواعدها عليه وعائلته، لم يتحمل ذلك الرجل الستيني الفراق الصعب والتشتت الذي ألم بعائلته فاصابته جلطة قلبية كادت تودي بحياته ولكنه نجا منها وامضى عدة شهور يتناول الدواء، فتحسن ابو محمد وفرح ابناؤه بتحسنه، في صباح عيد العمال وقف امام جامع الايمان في منطقة الجديدة السورية مناديا، مات معروف...، مات حسرة على ابنائه وعيشتهم في اللجوء، مات قهرا على الحال الذي وصل اليه، مات ولم ير ابناءه المهجرين، افرحوا يا عمال الارض، ولكن معروف مات.

وكان لموت معروف وقع كبير في نفس خضرة، فبموته صارت وحيدة وسط تلك الحرب، وهي التي امضت معه طفولتها وشبابها وكهولتها، ولابنائه المشتتين في الامة العربية الواحدة، كانت تلك الحادثة كالصعقة عليهم، وكان البكاء الشديد مطر تلك اللحظة.

بدوره سافر صالح زوج الاخت منار من الاردن الى اوروبا "جنة الارض" كما يلقبها فلسطينيو سوريا والتي تمثل لهم حلما وخلاصا من الحال التي يعيشونها، وبعد وصوله ونيله الاقامة الدائمة اقدم على لم شمل منار وطفليها في الاردن، وقبل ان تطير الى اوروبا طلبت منار ان تكون مقابلة السفر في السفارة السويدية ببيروت، آملة ان تجتمع باخوتها وامها في لبنان.

وصلت منار لبنان، وكان اللقاء، كان لقاء صعبا حزينا لم يحمل الا الدموع على والدهم الذي توفي ولم يروه منذ سنوات.

وكانت منار (29 عاما) الاكثر حرقة لرؤيته امها، فهي كانت تعلم انه في حال وصولها الى السويد سيكون محالا عليها بعد ان تقبل يد امها.

رابعة البنت الاخرى لخضرة جاءت تركض منادية على اخوتها وفي عينيها فرحة لا توصف وقالت: وجدت الطريقة التي ستجمعنا بامنا. كانت فرحتها بتلك الطريقة كفرحة نيوتن عندما وجد قانون الجاذبية ولكن يا ليته اخترع للناس قانونا يعلمهم السلام!

كانت الطريقة ان تأتي ام محمد من سوريا واولادها يأتون من لبنان ويجتمعون على الحدود، وفعلا بدأوا بالتجهيز والسؤال عن تلك الطريقة وتبين لهم انهم يستطيعون القيام بها.

وفي صباح الخامس والعشرين من حزيران 2015 ومع بزوغ شمس رمضانية ذهبوا جميعا الى الحدود، قالت ريم التي اصطحبت معها ابنها جواد: "استأجرنا سيارة وسافرنا الى منطقة المصنع على الحدود اللبنانية السورية وبدورها امي انطلقت نحو الحدود، وصلت امي قبلنا نظرا لقرب مكان سكنها داخل الاراضي السورية من الحدود ومع العلم انها كانت في العدة التي تقضيها على وفاة والدي معروف.

وصلوا الى الحدود وبدأت منار تبحث بنظرات ثاقبة عن امها ولكن تلك النظرات لم تكن احن من قلب امها الذي احس ببناتها عند وصولهن فصاحت خضرة منادية: "منار.. منار هياني يما هياني". وبدأ الجميع بالركض تجاهها ولكن المصنع "منطقة عسكرية ممنوع الاقتراب والتصوير" فيها، وهذا منصوص عليه عبر جملة مكتوبة على كل الجدران في المكان، لكن جنود الدرك اللبناني عندما شاهدوا اللهفة لم يعيروا انتباها للقواعد وسمحوا للعائلة باللقاء. بعد دموع حارقة ذرفتها البنات امام الضابط اللبناني الذي فهم المأساة وكسر النظام بشرط ألا يزيد اللقاء عن الساعة ونصف الساعة.

واخيرا، كان اللقاء. جميعهم تدافعوا على امهم واخذها بالاحضان، احتاروا على تقسيم تلك التسعين الدقيقة. اهي لقاء ام وداع، هل ستكون تلك التسعون دقيقة كافية لتلخيص فراق دام لاكثر من خمس سنوات مضت، ام عمر كامل سيأتي دون ان يروا امهم المسنة التي انجبتهم وتركت وحيدة في الحرب الدائرة في سوريا.

كان المشهد قاسيا الى درجة ان احد افراد الدرك اللبناني تعاطف وشارك الام والبنات المهجرات البكاء.

لكن عندما اخرجت منار هاتفها لالتقاط الصور مع امها قال لها الضابط ممنوع، سمحت لكم بالاقتراب ولكن لن اسمح بالتصوير، وبعد انقضاء التسعين دقيقة طلب منهم الضابط ان يفترقوا، وكان الفراق.. رجعت كل واحدة منهن من حيث اتت وفي قلبها غصة ولوعة. سافرت منار الى زوجها، وبقي من بقي في لبنان، وبقيت الام خضرة وحيدة تحت ازيز الحرب الدائرة في سوريا.

 

*من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجنة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018