الكتابات تعود من المنافي إلى الوطن: لا تنسوا أرضكم في قرية الزيب

 

"هدوء يملأ المكان إلا من أصوات أناس يركضون نحو الحياة أوجعتهم جراح السنين واصوات الرصاص. سألتهم: إلى أين؟ فلم يجيبوني، لأن الخوف أسرع من كلماتي، والوقت لا يتسع للإجابة. ثم يخيم الصمت من جديد في مزارعنا وبيوتنا وأحيائنا بعد أن هجرت أهلها وتركتهم إلى مصير مجهول، مشتتين في بقاع لم يعرفوها سابقا مختلفة عنهم بعاداتها وتقاليدها ولهجتها وهوائها وحتى مائها".

هكذا يحكي جدي عبد الرحمن درويش احمد عوض من مواليد العام 1921 في قرية الزيب المهجرة قضاء عكا. هنا في مخيم عين الحلوة يروي لي جرحه لي كي اكتبه في جريدة جامعة بيرزيت في بلدي فلسطين، خرج متأخرا وتبعنا ببطء بعد ان نفدت رصاصته الاخيرة  وفي يده مفتاح داره ولفافة من ورق مختوم هي كل ما تبقى له من ارضه وداره اخذ منه التعب وتحول داخل جسمه الى اوجاع لم يكن يشعر بها من قبل ربما هي كانت تشعر به وتكتم صوتها ألما عليه.

في بيته المسقوف بصفيح لا يقي برد الشتاء ولا حر الصيف، فضلا عن موسيقى خاصة تعزفها عليه حبات المطر عند هطولها، جر جدي اللاجئ كرسيه الخشبي وطلب مني ان يكون جلوسنا بالدار التي زرع فيها كرمة تدلت منها اوراقها وقطوفها بالوان مختلفة وبصفائح من التنك بعد ان افرغ منه زيت الطعام، وطلاها بكلس ابيض ونقطت بدوائر زرقاء من مكعبات تسمى النيلة التي يعرفها الجيل الاول من اللاجئين الفلسطينيين.

زرع جدي في بيت لجوئه أنواعا مختلفة من الحبق والمردقوش ونبتتين من الفلفل، واحضر كوبا من الشاي بعد ان اشبع الابريق غليانا بمائه وأطفأ البابور متهكما على الغاز، الآلة الحديثة التي يكرهها ابو غسان.

لم أنتظر، وبادرته بالسؤال: جدي حدثني عن فلسطين وعن بلدنا فيها. قال: فلسطين بلد فيه كل ما تشتهي نفسك. كان في بلدنا جامع وأمامه ساحة يجتمع أهل القرية فيها يتسامرون ويتشاورون في امورهم الخاصة والعامة، وكان اهل البلد كعائلة واحدة يتشاركون الافراح والاحزان، وغالبا معظم أهل البلد تربطهم قرابة أو نسب ومعظم طعامنا يعتمد على الحبوب لأننا فلاحون ونأكل مما تنتجه ارضنا وبياراتنا باشجارها المتنوعة وخاصة شجر الزيتون.

ويضيف: يوم بدأ الرحيل حيث اعلنت منطقتنا عسكرية للجيوش العربية، خرجنا من ديارنا، بعضنا خرج سيرا بما يستطيع حمله وبيدنا مفتاح الدار، حيث توقعنا أن خروجنا لن يطول وسنعود منتصرين لأرضنا المحررة حتى وصلنا الى تجمع مخيم عين الحلوة. انا وابن عمي كنا سويا، اما اخي وابي، فكان نصيبهما مخيم البص، وابن عمي الآخر وصل الى حلب حيث استقل القطار مع جزء من عائلته ولم تكن وسائل الاتصالات متوفرة كما اليوم، وليس اسهل من ان تقول إن أخي بمنطقة معينة، لكن تصور في ذلك الزمن كيف تشتت شمل العائلة الواحدة وتخيل كم من الاشهر بقينا بعيدين دون اي معلومة عن باقي افراد الاسرة، خاصة اننا لم نكن نتوقع طول المقام هنا او هناك.

ويضف جدي: أما جارنا أبو غسان، فقد التقيت به هنا، حيث كان يبحث عن عائلته من تجمع الى آخر، من صور الى صيدا ثم بيروت ثم البقاع وبعدها الى حمص ثم حماة، حيث وجد باقي افراد اسرته، وحدثنا ابو غسان اننا قاومنا ومن بقي من الشباب بعد خروج النساء من القرية، وقال لي ان عبد المعطي ابن عمي كان معه وتركه في مخيم الرشيدية مع اخوته، إلى ان حطت به الرحال في حماة سوريا، حيث اقام هناك، إلى أن وافته المنية خارج أرضه ووطنه كما الكثير منا.

ويختم جدي حديثه قائلا: مهما كانت جماليات الحياة يا جدي، فلا بديل عن وطننا، ووصيتي لك ولأبنائك ألا تنسوا ارضكم، فلا يضيع حق وراءه مطالب وهذه هويتي الفلسطينية ومفتاح داري التي هدمت، لكنها لم تهدم في وجداني وما زالت هناك كما مشاعري وذكرياتي ولا ارض تغني عن وطني".

 

*مهندس وناشط فلسطيني من مخيم عين الحلوة

من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجنة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018