الغاز الفلسطيني.. ما بين الشمال والجنوب.!

في غمرة الحديث عن تحول اسرائيل في القريب إلى دولة مصدرة للغاز، والزلزال الذي حدث في مؤسسات الحكم فيها جراء اكتشاف آبار غاز عملاقة في أعماق المياه الاقليمية المصرية، قد يكون البعض نسي أن فلسطين أيضا تمتلك آبار غاز، وأن حقول الغاز التابعة لها لم تستنفد إلى النهاية، وقد تكون هناك حاجة للتنقيب عن آبار فلسطينية أخرى. وأنه قد نحتاج الى فتح ملف من جديد، لعل فلسطين تستحق حصة من "الغاز الاسرائيلي" المكتشف في أعماق البحر المتوسط.

والمعروف ان هناك بئرين للغاز تبعدان نحو 30 كيلومتراً عن سواحل غزة تم اكتشفاهما في أواخر التسعينيات وكلفت السلطة الفلسطينية، يومها، شركة "بريتيش غاز" البريطانية لاستخراجه. وبدأت الشركة عملها في العام 2000 بموافقة من حكومة ايهود باراك، حيث سادت يومها أجواء سياسية إيجابية بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. الحقلان الفلسطينيان "مارين 1" و"مارين 2"، يعتبران صغيرين نسبيا (فيهما، حسب التقدير، 30 مليار متر مكعب من الغاز)، خصوصا إذا قارنا ذلك مع الحقل المصري (أكثر من 800 مليار) أو الحقول التي اكتشفتها اسرائيل في البحر التوسط نفسه (كلها -أربعة حقول- مجتمعة تحوي 600 مليار). ولكن اكتشاف الغاز الفلسطيني بدا مدهشا في تلك الفترة، حيث ان اسرائيل ومصر لم تكونا بعد قد اكتشفتا الحقول الكبيرة. وقد أدرك الرئيس الراحل، ياسر عرفات، يومها أهمية الحدث فأبحر مع مجموعة من الشخصيات السياسية والاقتصادية إلى موقع التنقيب، وبما يليق من مراسم احتفالية، أشعل النار في أنبوب التنقيب. وبدأت اتصالات لبيع قسم من الغاز الفلسطيني الى مصر واسرائيل والأردن. وقامت شركة "بريتيش غاز" بضم صندوق الاستثمارات الفلسطيني شريكا في المشروع، بالإضافة الى شركة من القطاع الخاص. وبفضل الاكشتاف، بدأ العمل على انشاء محطة لتوليد الطاقة الكهربائية في قطاع غزة وتم التخطيط لإقامة محطتين في الضفة الغربية. وشع الأمل بألا تظل المناطق الفلسطينية متعلقة بنعم شركة الكهرباء الإسرائيلية. 

ولكن، في تلك الأيام بالذات، انهارت عملية السلام على اثر فشل مفاوضات كامب ديفيد، وانفجرت الانتفاضة الثانية ودخلت عملية تطوير الغاز الفلسطيني الى حالة جمود. وفي هذه الأثناء بدأت اسرائيل تكتشف الغاز في أعماق البحر المتوسط. وبدأت مصر تبيع الغاز المكتشف مسبقا في العريش، لاسرائيل والأردن، ووضع الغاز الفلسطيني على الرف. 

واليوم، مع تحول مصر واسرائيل الى دولتي تصدير للغاز الطبيعي، تبدو فلسطين على الهامش. فهل هذا صحيح؟ هل هو صحي وطبيعي؟ 

صحيح ان كمية الغاز الفلسطيني المكتشفة ليست كبيرة، مقارنة مع الآبار الأخرى، لكنها كمية مهمة وحيوية وتستطيع سد الحاجة الفلسطينية الداخلية لعقدين على الأقل. وبما ان اسرائيل من الشمال ومصر من الجنوب نقبت وعثرت على كميات هائلة من الغاز في باطن الأرض، فإن فلسطين القائمة على الأرض نفسها والشواطئ نفسها، يمكن ان تعثر على كميات اضافية هي أيضا. 

بالطبع، لا حاجة لشرح الضرورات الاقتصادية لهذا المشروع، فهي مفهومة. ولكن المشكلة أن شركة "بريتيش غاز" وشركاءها الفلسطينيين، خسروا اموالا طائلة حتى الآن ولم يعد هناك محفز كاف لبذل جهود اضافية. وهكذا، بات الفشل نصيب المشروع. وبعد ان ثار أمل كبير من حوله، بات خيبة أمل كبيرة. 

 بيد ان مثل هذا المشروع، ممنوع وحرام أن يفشل ولا يجوز الاستسلام للواقع الحالي. فما العمل؟

أولا، لا بد من رفع الموضوع الى رأس سلم الاهتمام الفلسطيني، والسعي لجعله قضية عربية واقليمية وعالمية. فالاقتصاد اليوم هو موضوع أساسي في حياة المجتمعات البشرية والغرب يفهم جيدا معنى ذلك. وثانيا، لا بد من الدخول في اجراءات رسمية مع اسرائيل، حيث ان المفاوضات حتى الآن دارت بين حكومتها وبين الشركة البريطانية وشركائها. فإذا اصرت اسرائيل على موقفها في الامتناع عن التعاون، يمكن خوض معركة دولية سياسية وقضائية معها. وفي السياق نفسه، ينبغي فحص الحقوق الفلسطينية في آبار الغاز شمالي شرق البحر الأبيض المتوسط. فهي اليوم تعتبر "مياها اقتصادية لاسرائيل"، ولكن وفقا لأية حدود؟ فالمعروف ان الحدود بين اسرائيل وفلسطين وفقا لقرار الأمم المتحدة تقسيم فلسطين سنة 1947، تعتبر حيفا ومشالا منطقة فلسطينية. فماذا يقول القانون الدولي بذلك؟ 

لكن، كل هذه المعركة يتهددها الفشل، في حال استمرار الواقع الفلسطيني الحالي. فالواقع السياسي القائم منذ سنة 2007، الانقسام وسيطرة حماس على قطاع غزة، يشكل عقبة كأداء في وجه هذا المشروع. فاسرائيل تستطيع استغلال هذا الواقع بكل قوتها، من خلال الادعاء ان حماس تنظيم ارهابي ولا يجوز تسليمها مصدر دخل وطاقة كهذا، سيدر عليها الملايين ويمكنها من تطوير الصواريخ.

وهكذا، نعود الى المربع الأول. في الوقت الذي يحتفل فيه الاسرائيليون والمصريون ببشرى الغاز، يقف الفلسطيني حزينا. يملك الغاز ولا يستطيع استخراجه. ليس بسبب اسرائيل وحدها، وليس بسبب النصيب الكبير الذي منحه الله لمصر واسرائيل، بل أيضا بسبب الحالة الفلسطينية الداخلية. ومع ذلك، فإن  الفرصة لم تضع. وما زال بالامكان استعادة الأمل، ففي حال استؤنف العمل في الآبار الفلسطينية وأزيلت العقبات، هناك أمل بإعطاء ذلك دفعة كبيرة للاقتصاد الفلسطيني. حسب تقديرات الخبراء فإن دخل يقارب ثلاثة مليارات دولار سنوياً للحكومة الفلسطينية طيلة 10-15 سنة وقد يتضاعف الدخل مرات ومرات فيما لو تواصل التنقيب وعثر على المزيد من الآبار. فهل ندرك خطورة اهمال هذا الجانب من حياة الشعب الفلسطيني؟

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018