أكثر من خمسين سنة من العلم والعمل المجتمعي فاطمة أبو عمارة.. 73 عامًا وتعد لدراسة الماجستير

 

رغم تقدمها في السن، إلا أن السبعينية فاطمة أبو عمارة ما زالت تمتلك روح شباب كفيلة بـن تجعلها تبدو خمسينية على الأكثر، شكلاً ونشاطًا، توجته مؤخرًا بالسعي لدراسة الماجستير.

فقد أكملت فاطمة أبو عمارة عامها الثالث والسبعين، لكن طموحها لا يوقفه الزمن، فالمسنة التي درست العلوم في جامعة الطيرة قبل ما يزيد على خمسة وخمسين عاما؛ ما زالت تراودها فكرة إكمال الماجستير حتى أصبح ملفها جاهزا في إحدى جامعات غزة.

تقول فاطمة (أم عبد الله): "الطموح لا يحده سن، ولا يمكن لأي حواجز أن تمنعنا من الأحلام. فقط نحتاج الصبر حتى نحقق ما نريد". مضيفة: "أنا أعشق العلم منذ صغري، حتى إنني لم أكتف بدراسة العلوم، بل حصلت فما بعد على بكالوريوس اللغة العربية من جامعة الخليل وكنت قد درست عامين جغرافيا في مصر حتى أصبحت مديرة مدرسة".

حلم أم عبد الله مربية الأجيال بقي مستيقظا في مخيلتها فيما يتعلق بصعود مزيد من درجات العلم. تقول: "أنا أعشق العلم، وبالنسبة لي، فالعلم لا يعني الشهادات، ومن ثم العمل والترقيات إلى آخره. العلم لدي ثقافة وتعلم وحياة، ويكفيني أنني فخورة بدرجاتي العلمية أمام أبنائي وأحفادي"، مضيفة: "لذلك، قررت مؤخرا ان أعد لدراسة الماجستير في الدراسات الاسلامية في احدى جامعات غزة". 

 

من جيل إلى جيل

لدى أم عبد الله عشرة أبناء؛ سبع فتيات وثلاثة ذكور، وهي جدة لخمسة وأربعين حفيدًا، حملت على كتفيها مسؤوليتهم منذ أن توفي زوجها قبل عشر سنوات.

تؤكد أم عبد الله أن الحمل يزيد بوفاة الأب، لكن ما غرسته في أبنائها منذ صغرهم وجدته في كبرهم من أخلاق وتقدير للعائلة ولها كأم.

عملت أم عبد الله في حقل التعليم أكثر من خمسين سنة كمدرسة ثم مديرة مدرسة، فكانت ترى في كل طالب وطالبة ابنًا لها وابنة لا تتوانى عن تربيتهم قبل تعليمهم.

تقول المربية: "كانت مسؤولية كبيرة جدا أن أتولى منصب مديرة مدرسة لأنني مؤمنة جدًّا أن من يجلس على هذا الكرسي يجب أن يكون معلمًا وأبًا ومربيًا يحمل الهم الوطني على كتفيه". مضيفة: "كنت كمن يروي نبتة صغيرة وأكون في قمة سعادتي عندما ألتقي أحد طلابي، فأجدهم أصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين. وقتها أطمئن أن زرعي أينع وأثمر ولم يذهب تعبي هباء".

 

"بيت جدودنا"

لم تقتصر رحلة أم عبد الله على التعليم، بل إنها تجاوزت حدود ذلك لتصبح بعد تقاعدها مثقفة في مجالات عدة أبرزها الإرشاد الديني من خلال الدروس والمحاضرات التي تلقيها في المساجد وخلال الندوات المجتمعية ومن خلال تواجدها بشكل أساسي في "بيت جدودنا"، الذي يقدم الخدمات المختلفة لكبار السن في قطاع غزة.

وتؤكد أم عبد الله أن المجتمع الفلسطيني بحاجة لمزيد من الوعي تجاه كبار السن الذين يشكلون شريحة مهمشة، وكأنهم لم تعد لهم أهمية، أو أن حياتهم قد انتهت.

وترى المسنة المثقفة في نفسها نموذجًا مميزا لكبار السن، فتتحدث عن طموحاتها قائلة: "ها أنا قد تجاوزت الثالثة والسبعين، ولكني أتحرك وأشارك في كل النشاطات المجتمعية كما لو كنت في الأربعين، دون تعب ودون كلل، لأنني قررت ان أكون شخصًا مختلفًا". مضيفة: "بينما شخص آخر قد يفكر بسلبية وأنه لم يعد في العمر متسع، وهذا يقتله بقية عمره ويجعله تحت رحمة ومساعدة الآخرين".

وتؤكد أنها ترى الكثير من هذه النماذج هنا في "بيت جدودنا" من النساء والرجال الذين تحاضر فيهم وتثقفهم وترشدهم في مجالات عدة.

تضحك أم عبد الله وهي تستعيد موقفا حدث معها خلال أحد الدروس عندما وقف رجل تجاوز الثمانين وقال: "إنتي اللي بدك تعلمينا". وأشار بيده اليها.

تقول: "وقفت وقتها بكل ثقة وقلت له إنني درست العلوم واللغة العربية والجغرافيا وسافرت وأعد للماجستير، وكنت مديرة مدرسة، فان كان لديك ما لدي، فتعال وقف مكاني". وتابعت: "جلس بعدها كبقية الحضور، وبالعكس وجد إجابات لأغلب أسئلته".

 

فلسطين حاضرة

رسالة أم عبد الله ليست تعليمية تثقيفية فحسب، بل فلسطينية ووطنية من الطراز الأول، فهي قاصة للأطفال تروي الحكايات عن التراث وحياة الاجداد وعن فلسطين وتاريخها الأصيل.

تقول الحاجة فاطمة: "وسعت من ثقافتي عن بلادنا وقرانا المهجرة، وقرأت فيما يتعلق بتاريخ كل بلدة وإرثها وعادات وتقاليد أهلها، والآن أقدم ذلك للجيل الصاعد لدحر مقولة (الكبار يموتون والصغار ينسون)"، وقالت: "بيت جدودنا والكثير من المؤسسات يقومون بعمل الفعاليات التراثية والوطنية خصوصا في ذكرى النكبة، فأكون متواجدة معهم من خلال حلقات التثقيف الخاصة بالصغار".

وتحاول أم عبد الله أن تفهم ما يدور في رأس الصغار وماذا يعرفون عن تاريخهم وتاريخ أجدادهم بمعرفة البلدة الأصلية لكل صغير ومن ثم تحاول تقديم المعلومات لهم عبر القصص الجميلة، فتزرع في مخيلتهم صورا لا تحصى عن شكل البلاد وجمالها وتاريخها وعادات أهلها الجميلة.

وتؤمن أم عبد الله برسالتها إيمانا قويا، وتدرك حجم المسؤولية الشخصية التي على عاتقها، فهي ترى أن الهم الوطني والمسؤوليات لا تتطلب الجلوس على كرسي أو شغر منصب فتقول: "أن تكون فلسطينيا، يعني بالضرورة أن تكون مشغولا بقضيتك العادلة وأن تكون كبيرًا في السن، يعني أن تكون كنزا تاريخيا نهل منه الصغار، فتروي عطشهم لصورة بلادهم وجمالها.

تقول أم عبد الله: "هذه مسؤولية وطنية ودينية وإنسانية لن أتخلى عنها أو أهملها حتى آخر لحظة في حياتي".

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018