أحلام فلسطينية في ذمة المتوسط

يسير المركب أبطأ من أحلام العبور إلى الضفة المقابلة، وعلى متنه 600 من الحالمين يتزاحمون ببالوناتهم الهوائية فوق مياه مالحة، تنتشر رائحة (الحياة والموت) في رطوبة البحر كلما تقدّم القارب المصنوع من الخشب والحديد أكثر وأكثر صعودا وهبوطا مع الأمواج.

وصلنا إلى لحظة الصفر، "بلمٌ" مطاطي ورصاصتان معدنيتان، هدأت الأمور، صراخٌ على جهاز الثريا، هذا كل شي قبل أن تتهاوى غالبية الأحلام إلى القاع. 

"خيا الصاروخ كل ما ينزل عم بيقتل واحد عزيز علينا"، بدأت القصة بعدما تعرض مخيم اليرموك للاجئين الفلسطينيين جنوبي العاصمة السورية دمشق لقصف جوي بتاريخ 16/12/2012، تسبب بمجزرة مروعة راح ضحيتها عشرات المدنيين.

يضيف (ر.أ) مفضلا عدم الإفصاح عن اسمه، وهو شاب فلسطيني مهجر عن اليرموك: "كان هناك أمل ولكن قبل غارة الميغ (نوع طائرات روسية)، تحول المخيم بين عشية وضحاها من ملاذ آمن يؤوي الآلاف، إلى ساحة حرب تدفع كل من فيها للخروج والبحث عن مأوى جديد، في مشهد جماعي عرف بـ"النكبة الثانية"، مع الإشارة إلى أنّ 20 ألفًا من أهل المخيم آثروا البقاء فيه ودفعوا ثمنا باهظا لصمودهم".

قدر عدد اللاجئين الفلسطينيين في مخيم اليرموك حتى كانون الأول 2012 بقرابة 144 ألفا وفقا لإحصاءات وكالة الغوث "أونروا"، يضاف إليهم آلاف السكان السوريين والعراقيين، فضلا عن آلاف النازحين من مناطق الجوار نتيجة تسارع الأحداث السورية وتداخل المخيم مع تلك الأحياء جغرافيا واجتماعيا.

يقول الشاب المهجر، وهو خريج المعهد التجاري في دمشق: "قعدت بالشام يومين ما عجبني الوضع، طالعت موافقة من عين كرش (مركز الهجرة والجوازات) وسافرت على لبنان". وبحسب الأونروا، يتواجد في لبنان 45 ألف لاجئ فلسطيني مهجر من سوريا، وثبت العدد نتيجة صدور قرار لبناني في أيار 2014 يمنع دخول الفلسطينيين القادمين من سوريا. "عرّفوني قرابتي على مهرّب ابن حلال!"، يتابع الشاب المهجر قائلا: "في لبنان كنت أعمل في ورشات بلاط ودهان بشكل غير منتظم والأجور لا تكفيني أبدا". ويروي (ر.أ) وهو من أبناء قرية حطين الفلسطينية المهجرة عام 48، أنه نجح بعد سنتين وثمانية أشهر من المعاناة في لبنان باستدانة مبلغ 5 آلاف دولار من الأصدقاء والأقارب يمكنه من الوصول بقوارب التهريب البحرية إلى أوروبا.

وبتاريخ 1/8/2015، بدأت رحلة الشاب العشريني من مطار بيروت باتجاه مطار عمان للعبور (ترانزيت)، قبل أن يحطّ به الرحال في مطار طرابلس بالعاصمة الليبية، ومنها برّا باتجاه مدينة زوارة الساحلية على بعد 120 كيلومترا باتجاه الغرب، بناءً على تأشيرة زيارة ومسار رحلة أمّنهما له مهرب محترف، مع الإشارة إلى أن حملة وثائق السفر من اللاجئين الفلسطينيين من سوريا لا يسمح لهم عادة بدخول الأردن أو ليبيا.

ويشرح ابن الأربعة والعشرين ربيعا: "في زوارة تُحشر داخل غرفة تشبه قنّ الدجاج ولها نافذة واحدة، ورائحة الجلد البشري تنتشر، بانتظار أن يصفح عنك المهرب". ويروي الشاب المهجر عن تلك الساعات المليئة بالأشغال الشاقة على حد وصفه، قائلا: "قمنا بجرّ المركب الكبير إلى البحر وسط صراخ المهربين علينا للاستعجال"، وفيما يتعلق بعقلياتهم يقول: "كانوا مزاجيين جدا معنا، وشعرنا في كثير من الأحيان أننا عبيد، لكن لا خيارات أخرى أمامنا"، مضيفا: "أجسادنا غلبها التعب ونفسياتنا أرهقت أكثر من عضلاتنا، لا شراب ولا طعام إلا الفتات".

وفي صباح الإثنين الموافق 3 آب، انطلق الباحثون عن الحياة وعددهم 600 شخص عبر المركب من الشواطئ الليبية باتجاه الشمال، وعلموا لاحقا أن الرحلة تستغرق خمسة أيام بلياليها للوصول إلى جزيرة صقلية الإيطالية. وفي التفاصيل، يتحدث الشاب المهاجر والشاهد على تلك الرحلة قائلا: "كانت ساعات صعبة، كل ساعة بيوم وكل يوم بسنة، تمنينا الموت عشرات المرات في عرض البحر"، مضى يومان حتى صباح الخامس من آب واستمرت الأمور على حالها، وقت يمضي ببطء وسط صمت في زحمة القارب الخشبي تقطعه ألفاظ المهربين وإهاناتهم للركاب بين الحين والآخر، وبقايا طعام وشراب تكاد لا تسد الرمق. وذلك بحسب الشاهد المذكور الذي رفض مرارا الإفصاح عن اسمه خشية مطاردة المهربين له.

وفجأة، يعترض قارب مطاطي صغير طريق المركب، ويسمع صوت رصاصتين، وعطفا على تلك الرواية يقول الشاهد: "ظن معظم الركاب أنها لحظة الانتقال إلى البارجة التي توصل للشواطئ الإيطالية"، ويتابع: "الحقيقة أنها لحظة الانتقال إلى قاع البحر"، ويصف الشاهد الناجي من حادثة الغرق وجوه النساء والأطفال بـ"الأشباح الصفراء"، مبينا أن أصوات صراخهم بدأت تتعالى مع سماعهم أصوات الأمواج وهي تلتهم المركب وتبتلعه من جميع الجهات.

ويكشف الشاب في روايته أمرا مهما لمتتبعي الحادثة عندما يقول: "كنت على السطح وبلعت كثيرا من المياه المالحة، من الصعب أن يتحكم الشخص بنفسه أثناء اهتزاز المركب وتهاويه، فهو يجذب للأسفل"، ويضيف مزوّدا بمعطيات مؤسفة: "أنا متأكد أن مئتي طفل وامرأة على الأقل غرقوا في الطابق السفلي"، ليعود بشهادته إلى لحظة الصفر في الحادثة، قائلا: "وجه شاب لهجته مغربية مناشدة عبر جهاز الثريا لناشطة سورية ليحاول تزويدها بالإحداثيات، وكانت تلك المكالمة قد سبقت ابتلاع المياه للمركب بعدة دقائق فقط".

ويؤكد الشاب الفلسطيني الناجي من الحادثة قدوم خفر السواحل الإيطالي متأخرًا للمكان، ليباشر بنقل العائمين إلى القوارب بمن فيهم الأحياء والأموات وعددهم حوالي 150. مبينا أن عمليات البحث في اليوم التالي رفعت عدد الناجين والضحايا إلى 250، فيما لا يزال 350 على الأقل في عداد المفقودين. وهو ما تطابق مع مصادر إعلامية عديدة. ودفنت جثامين 50 من ضحايا حادثة الغرق في مقبرة باليرمو الإيطالية.

وتشير أرقام منظمة الهجرة الدولية إلى غرق ألفي شخص في المتوسط منذ بداية العام 2015، فيما يفيد المرصد الأورومتوسطي بوجود غريق كل 4 ساعات في المتوسط، مبينا أن 20% من الضحايا والمفقودين هم من الفلسطينيين والسوريين.

لربما يقال وصل شاب فلسطيني إلى السويد وحصل على اللجوء هناك، ولكن قلما يقال إنه كان في رحلة استشهد فيها مئات اللاجئين الفلسطينيين غرقا أثناء بحثهم عن الحياة الكريمة. وفي ظل هذا المشهد التعيس لا يحبّذ التحرّي عن هوية مغرقي القوارب في عرض البحر قبل التعرّف على مدمّري نفوس هؤلاء اللاجئين، والمسؤولين الحقيقيين عن دفعهم إلى المجهول وما ينتج عنه من غرق أو تهجير بحق فلسطينيين فقدوا كل ما يملكون خلال فترات قياسية.

 

*من إنتاج دورة الكتابة الإخبارية في مخيم برج البراجنة

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018