كيف تستفيد حكومة نتنياهو من إرهاب المستوطنين؟

 

لن يكون مفاجئًا أن نسمع في القريب، أن جهاز المخابرات الاسرائيلية سيعلن عن "فك لغز" العملية الارهابية الرهيبة، التي تم فيها عن سبق تعمد ورصد إحراق عائلة سعد دوابشة بأربعة نفوسها. فيسوقون المتهمين من ذوي القبعات الدينية "الكيبا" واللحى السوداء والشقراء، الى المحاكم. 

فهذه مصلحة ما بعدها مصلحة لحكومة بنيامين نتنياهو، ليس لأن قلبه محروق على العائلة المحروقة، وليس لأنه لا ينام الليل قلقا على العدالة والقانون، بل لأن الجريمة الرهيبة تضع اسرائيل في خانة غير مريحة دوليا. فقد حاولت هذه الحكومة طمس القضية الفلسطينية تحت رمال الصحراء، وأشغلت العالم في موضوع الخطر الايراني، ودخلت في صدام مع الادارة الأميركية والرئيس باراك اوباما، حتى تفلت من استحقاقات الموضوع الفلسطيني. لكن مذبحة دوما تعيدها الى القفص الفلسطيني مرة أخرى. 

لكن ما ستحاول اخفاءه عندئذٍ، هو ما يحيط بمنفذي العملية الارهابية: من أين جاءوا؟ من أرسلهم؟ ما هو هدفه؟ وهل هو ارهاب لمجرد الارهاب ناجم عن الكراهية والأحقاد، كما يحاولون تصويره من الآن، أو هو ذو هدف سياسي إستراتيجي بعيد المدى؟ هل هو "محاولة لخلق الفوضى في المنطقة والسعي لسيطرة الجناح الديني المتطرف في المستوطنات على الحكم في اسرائيل من أجل فرض الشريعة اليهودية"، على طريقة داعش، كما يروجون كثيرا اليوم في اسرائيل، أم ان وراءه هدفا سياسيا داعشيا آخر، هو دب الرعب وإحداث فوضى لترحيل دفعة جديدة من الفلسطينيين عبر الحدود؟

إن المشروع الاستيطاني في الضفة الغربية بات اليوم أكثر من أي وقت مضى، مشروعا "ديمغرافيا". ففي المجتمع الاسرائيلي يوجد نقاش حاد يتصاعد حول "مصير يهودية الدولة". اليسار والوسط، وكذلك بعض الأوساط في اليمين، يؤيدون حل الدولتين، لأن الاستمرار في الوضع القائم يؤدي الى تحويل فلسطين الى دولة واحدة ذات أكثرية يهودية. ولذلك يطالبون بتسوية تضمن قيام دولة فلسطينية، إلى جانب اسرائيل ذات الأكثرية الديمغرافية اليهودية. وهم يرون في تقسيم سورية والعراق الى دويلات طائفية، فرصة لتثبيت دولة طائفية اخرى في المنطقة، هي الدولة اليهودية.

لكن بالمقابل، يرفض المستوطنون الحديث عن مشكلة ديمغرافية. ويقولون ان عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية والقدس الشرقية يقارب نصف مليون نسمة، ويخططون لمضاعفة هذا العدد في غضون عشر سنوات. ويشطبون قطاع غزة كجزء من الدولة الفلسطينية، حيث يمكن في تصورهم التوصل الى تسوية مع حماس بشأنه، مبنية على هدنة طويلة الأمد. فهذه الهدنة تبقي القطاع خارج الصورة. وتسقط سكانه من الاحصائيات. فيبقى الحديث عن 1.5 مليون فلسطيني في الضفة الغربية. ويحاولون عرض المشروع الاستيطاني كأداة أساسية في صد الخطر الديمغرافي. فكلما زاد عدد اليهود، انخفضت نسبة الفلسطينيين. وكلما زادت قوة المستوطنين واتسعت مشاريعهم، يئس الفلسطينيون وبحثوا عن حلول أخرى، مثل الاستسلام أمام الأكثرية اليهودية أو الرحيل والهرب. 

ولسان حالهم يقول: في سورية يوجد 3 ملايين لاجئ خارج سورية و4 ملايين نازح داخلها. وفي العراق، تجري عمليات ترانسفير أضخم، أدت حتى الآن الى مغادرة 8 ملايين عراقي أرض وطنهم. فلماذا يجب ان تتأثر اسرائيل من تنفيذ عملية ترحيل بحجم  "صغير نسبيا"، 300 – 400 ألف فلسطيني؟ 

إن الجهات التي تقف وراء النشاط الاستيطاني الاسرائيلي في القدس والضفة الغربية، لا تتحرك فقط من خلال أيديولوجية دينية تفتش فيها عن مواقع مذكورة في التوراة وتبني فيها. إنها تسعى للاستيطان في كل بقعة ممكنة. تريد توسيع كل المستوطنات القائمة، وشرعنة كل البؤر الاستيطانية التي اقيمت في حينه بلا تصريح، وتريد العودة للاستيطان في المستوطنات الأربع التي أخلتها شمالي الضفة الغربية بموجب خطة الانفصال عن غزة. وترى ان هذا هو الوقت المناسب لذلك، لأن الحكومة الحالية في اسرائيل هي أكثر حكومة يمينية في تاريخها. ورئيسها ضعيف، قابل للضغط الجماهيري، وملتزم أمام المستوطنين. أهم حلفائه في الحكومة حزب "البيت اليهودي" برئاسة نفتالي بنيت، ولكن 35% من المستوطنين منحوا أصواتهم لحزب الليكود برئاسة نتنياهو. ويقولون، علنا: "إذا لم نتوسع ونتطور في المستوطنات الآن، فمتى إذًا؟". هذا هو الوقت المناسب.   

وهم يتكلمون بقوة وثقة غير عادية في النفس. لا يحسبون حسابا للقانون الدولي ولا لمحكمة الجنايات الدولية. لا يهمهم حكومة او قانون او محكمة، من أسهل ما يكون ان نراهم يهاجمون حتى محكمة العدل العليا الاسرائيلية ويدعون الى الصعود عليها بالجرافات، مع ان هذه المحكمة هي التي اجازت أول مشاريع استيطانية ولولا ختمها على قرارات الاستيطان الأولى لما كنا نرى بيتا يهوديا واحدا في الاراضي الفلسطينية المحتلة. ولا يترددون في الاعتداء حتى على الجيش الاسرائيلي الذي يوفر الحماية لهم، ولولاه لما تجرأ أي منهم على السكن وراء الخط الأخضر. لقد نفذوا من سنة 2004 وحتى اليوم حوالي 11 ألف اعتداء على المواطنين الفلسطينيين وممتلكاتهم في الضفة الغربية، وفي 90% من الحالات لم يحاسب المعتدون أبدا. وفي الحالات الأخرى فتحت ملفات واغلقت معظمها. من بين هذه الاعتداءات توجد 15 محاولة لإحراق عائلات فلسطينية وأفرادها أحياء ونيام في بيوتهم (أول حادثة كهذه وقعت في قضاء الخليل سنة 2008، ويومها وقف 100 مستوطن يتفرجون على الحريق وبعضهم يقذف الحجارة على أهل البيت عندما يحاولون النجاة من الحريق والخروج من البيت).

الارهاب اليهودي، إذًا، ليس مجرد جرائم حرب بشعة وأخلاق داعشية. إنها تحمل أهدافا ذات بعد سياسي إستراتيجي على القضية الفلسطينية.

Please reload

حقوق الطبع محفوظة @ جريدة الحال 2018